حين تكــــون الكتابـــــة فعـــل تنــويــــر الروائي فيصل الجردي: الحياة المعلم الأكبر للأديب

العدد: 
14896
التاريخ: 
الاثنين, تموز 17, 2017

 لعل أفضل مقدمةٍ نقدم بها هذا الحوار مع الروائي فيصل الجردي هو ماقاله الناقد الدكتور نضال الصالح في تقديمة لرواية (الأميرة) للجردي .. بقوله: (الإبداع ليس أمراً عارضاً بل مكوناً من مكونات وعي الجردي بأهمية الدور الثقافي ، إلى جانب الحقوقي في بناء مجتمع غير منبت الصلة بالعصر الذي ينتمي إليه).
إنه مبدع متأن يتابع د. الصالح، (الكتابة بالنسبة إليه فعل تنوير وتطهير).. هو رئيس سابق لجمعية العاديات.
في هذا الحوار مع الروائي فيصل الجردي نزيل بعض أذى التجاهل الذي لحق به.. فقد صدر له خمس روايات هي (الهارب من الأسر، الأميرة، خيام عجيلو، ملاذ الآلهة، جراح غزة) ولديه روايتان جاهزتان للنشر ومجموعة شعرية.. وهو فنان تشكيلي ومحامٍ معروف .. التقيت الأديب فيصل الجردي( مواليد 1942) في منزله بحمص وكان هذا الحوار :
س1:ثمة عوامل كثيرة منها ذاتية ومنها اجتماعية ساهمت في صياغة عالمك الأدبي حبذا لو حدثتنا عنها:
ح-إن لم يكن الأدب صنواً للحياة بكل تجاربها ومعاناتها وفضائها الواسع يأتي متكلفاً وهزيلاً لا تنفعه الزخارف اللفظية أو الصور الجميلة، فالحياة بجمالها وقبحها وقسوتها هي المعلم الأكبر للأديب المبدع أما بالنسبة لتجربتي الأدبية المتواضعة والتي اعتبرها بداية طريق لا أدري من سيكمله رغم أني أحاول إعداد الرواية العاشرة للطباعة هذه التجربة استخدمت معطياتها من عدة محطات أولها: طفولتي المبكرة على تخوم البادية وبين مضارب البدو. وثانيها: انتقالي المفاجئ الرهيب إلى مدرسة الراهبات لأصبح أحد تلاميذ معلمة فرنسية في صف يضم أبناء أكبر عائلات المدينة وأغنيائها وثالثها: حرب تشرين وما سبقها من اشتباكات عنيفة وما تلاها مما سمي بحرب الاستنزاف كنت خلالها ولمدة خمس سنوات أرابض على الخط الأول من الجبهة قرب مدينة القنيطرة.
أما محطتي الرابعة.. بل مأساتي كانت عملي في مهنة المحاماة مدة تقارب الثلاثين عاماً مهنة المحاماة.. ذلك العالم المرعب الذي لا أجرؤ على التكلم عنه وأتحدى كل من عمل في هذه المهنة أن يتكلم بصدق عن مجرياتها وأحسبه يفضل الصمت على الكلام.
هذه هي المحطات التي كانت تزودني بما كنت أحتاجه في رحلتي مع الألم .. عفواً مع القلم.
س2:لقد اخترت الرواية.. لماذا كان هذا الاختيار ..؟ وكيف؟
ح: أنا لم أختر شيئاً.. لكنها الأحداث والظروف والصدف هي التي تفاعلت فأنتجت، وكان لي دور المسجل الحساس. وأعتقد بأن الرواية بما تتمتع به من فضاء واسع وذاكرة عجيبة هي الأقدر على استيعاب ذلك التفاعل الكبير الذي ينتج الحدث الروائي.
س3:لقد عملت لعقود كمحامٍ ما الذي أضافته هذه المهنة لك كروائي؟
ج:مهنة المحاماة ذلك العالم المرعب كما وصفتها سابقاً مارستها زهاء ثلاثين عاماً وتبوأت مكانة لابأس بها وسمعة حسنة إلا أنني ومن كل قلبي أتمنى أن تمحى تلك العقود الثلاثة من مدارج عمري وسأفصح عن السبب بكل بساطة: تدخل قصر العدل فينتصب أمامك هيكلان متشابهان تماماً كل منهما يدعي أنه الحق والآخر هو الباطل وهنا تبدأ مهمة المحامي بالكشف عن الباطل وإثباته حتى يتم تمييزه عن الحق.
لاشك أن ممارسة مهنة قوامها المشاكل والخلافات مدة ثلاثين عاماً قد أغنت تجربتي إلا أنني أقول وبصدق بأنني حتى الآن لم أستوح منها أي موقف في رواياتي العشر إلا فصلاً متواضعاً في رواية الهذيان.
س4:أنت أيضاً فنان تشكيلي .. ما الذي يجمع بين الرسم والكتابة الروائية؟
ج:الفن بمجمله من أدب وموسيقى وتشكيل يعتمد على معجزتين رئيسيتين هما البعد الزمني والبعد المكاني والإبداع يكمن في البراعة باستخدام هذين البعدين فالتشكيل إذن مترابط مع الأدب في هذين البعدين وكل منهما يخدم الآخر ويستوحي منه فالمبدع يصول ويجول في فضاءات الفن وأبعاده من رواية أو لوحة أو معزوفة موسيقية.
س5:لدينا في حمص عدد قليل جداً من الروائيين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ولكن لدينا عشرات الشعراء .. كيف تفسر هذا؟
ج:إن الحركة الأدبية في مجتمعنا في حالة قصور عن استيعاب مدلولات الأحداث الجسيمة التي تمر بها بلادنا فلا الشعر ولا الرواية بقادرتين على استيعاب هذه المدلولات والتفاعل معها باستثناء بعض الأعمال الخجولة التي تبدو فيها عقدة الرقابة وإذا كان عدد الروائيين في حمص أقل من عدد الشعراء فهذا ما تفسره الظروف المادية والفكرية وتقنيات النشر لقد انتظرت ثلاثين عاماً حتى أتيح لي نشر روايتي الأولى”هارب من الأسر” ولعل الندم قد ساورني..
س6: ثمة من يقول أن أعمالك الروائية تسجيل لواقع عشته أنت مع أناس تعرفهم وعملت معهم وأماكن عشت فيها.. ما واقعية هذا الكلام؟
ج:نعم بعض ما قيل صحيح ولكن الأهم من ذلك هل كنت موفقاً في عرض هؤلاء الأشخاص وتصوير تلك الأماكن كفضاء روائي..؟
وبعض ما قيل غير صحيح فيما يخص الروايتين التاريخيتين.. ملاذ الآلهة وجوليا فكيف تسنى لي أن أعبر الزمن وأتعرف على القائد نارام سن والامبراطورة جوليا دمنا، وأصف دولة أكاد عام 2400 ق م ومملكة حمص عام 79م..؟
س7: كيف ترى مستقبل الرواية السورية بشكل عام..؟ هل ستصبح ديوان العرب بدل الشعر.. ولماذا؟
ج: الرواية فن أدبي حديث دخل صرح الأدب العربي في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ليتربع على مكانة رفيعة مع باقي فنون الأدب الأخرى من شعر ومقالة وخطابة وأنا أرى أن ديوان العرب يجب أن يكون: القصيدة العصماء والرواية الرائعة والخطبة المفوهة والمقالة الجيدة.
هذه الفروع من الأدب يجب أن تشكل مجتمعة ديوان العرب بعيداً عن تقاليد القبيلة أو العشيرة فبئس القبيلة التي يرفع شأنها بيت شعر، وتباً للقبيلة التي يذلها بيت شعر آخر.
فأنا لست من نمير ولا أنتمي إلى كعبٍ أو كلاب.
«أنا إنسان عربي وكفى»
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
حوار : عيسى إسماعيل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة