نافذة للمحرر ...أدباء في الذاكرة –« وصفي قرنفلي »

العدد: 
14898
التاريخ: 
الأربعاء, تموز 19, 2017

بدأت معرفتي بالشاعر العربي السوري الحمصي وصفي قرنفلي في مطلع سبعينيات القرن الماضي عندما أهداني الصديق المهندس ياسر العايق ديوانه الوحيد : ما وراء السراب فقرأته بعين الطالب الجامعي وقلب العاشق للشعر فأعجبت بمسارين في ديوانه : مسار الجماهير والثورة ومسار المرأة والغزل .
وازدادت معرفتي به إنساناً وشاعراً عندما حدثني ابن عمي عن عمله معه في –المساحة – وقرأت على مسامعه قصيدة –جحيم المساحة – من ديوان –ما وراء السراب – فاستطرد ابن عمي في الحديث عن مزاجه الخاص وشاعريته والتحامه بالجماهير وحبه للمرأة وما كان ينشده عند الاستراحة في خيمة المساحة .
ولكن معرفتي الحقيقية والعميقة بالشاعر وصفي قرنفلي كانت عن طريق صديقه الحميم وصديقي الحميم الشاعر ممدوح السكاف – أمد الله عمره – الذي حدثني عن مجلس وصفي قرنفلي الأدبي في المقهى ورواد ذلك المجلس وأثره في الحركة الأدبية في حمص وباح لي بأن وصفي كان شاعراً بالفطرة يعزف على قيثارة الشعر سماعياً عزفاً متقناً دون أن يعرف شيئاً عن النوطة الموسيقية وبحور الشعر وعروضه وقوافيه كما حدثني عن ملازمته له في فترة مرضه بالباركنسون – العصبي الرعاش التي امتدت سبع سنوات ومما قاله الأديب ممدوح السكاف عن تلك الفترة العصيبة :
( لم يكن قادراً على الكلام إلا بصعوبة فائقة –كان الشلل قد قارب الوصول إلى حنجرته ولسانه وكان هذا أكثر ما يعذبه ويضنيه ألا يستطيع القراءة والكتابة ولا حتى التمتمة ومن طرفي كنت من أمهر أصدقائه الذين يتمكنون من ترجمة غمغماته اللسانية غير المفهومة وتحويلها إلى معان مفهومة لمعاودة زياراتي له بشكل متلاحق فبين بيته وبيتي الكائن في حي صليبة العصياتي مسيرة خمس دقائق لقد حفظت تذكاراته وحكاياته التي يرددها في كل زيارة بعد أن أصبح عالمه جد محدود : غارسيا –يقول – أصله عربي . افتح البخلاء للجاحظ في الصفحة كذا نجد اسم غارسيا محرفاً في الهامش الثاني واقرأ غارس- إنها اسم فاعل- صحيح أنني لم أدرس النحو والبلاغة وعلم العروض
لكنني أتحدّى الخطأ نفسه فيها .. الخمرة والمرأة هما دائي .. وكذلك الكبرياء .
قبل أن نودع الشاعر قدم لي وصفى ورقة وقلما قائلا : هذه أبيات رثيت بها نفسي ووصيتي أن تكتب على شاهدة قبري وأملى علـّي :
لقد غدوت تراباً لا يحرّكني             بيت من الشعر أو زهر على غصن
حسبي- ولا حسب خلف القبر متكئي   
  في حضن أمي وأنّي في ثرى وطني
وأنني كنت – والأحرار تعرفني -    
    حرّا ً أضأت دروب الشعر في زمني
(وقلت في نفسي : حتى في رثائك لنفسك أنت قمّة الكبرياء يا وصفي )كل ذلك جعلني أسرع مع الصديق ممدوح السكاف إلى حضور أربعين وصفي قرنفلي في سينما الزهراء ، وأصغي إلى كلمات الشاعر نزار قباني بذهول وإعجاب شديدين ، إلى تلك الكلمة النثرية التي تفوّقت على القصائد كلها التي ألقيت في احتفال تأبينه ومنها :
( هل العالم العربي لا اليونان هو وطن التراجيديا ، وهل على شعرائنا أن يلاقوا مصير هملت ويطعنوا في ظهورهم كيوليوس قيصر ؟  إنني أبحث عن حادثة فرح واحدة في الشعر العربي فلا أرى إلا حشرجات عبد السلام عيون السود وسقوط عبد الباسط الصوفي منتحرا في كوناكري وانطفاء وصفي القرنفلي كشمس شتائية فهل كتب على حمص منذ ديك الجن حتى اليوم أن تقدم وحدها كل ضحايا الشعر وأطهر قرابينه ؟ )
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.غسان لافي طعمة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة