الاتصالات

العدد: 
14925
التاريخ: 
الأحد, آب 27, 2017

لم ينتبه أحد إلى أن ابن خلدون قد تكلم عن الحضارات وبدايتها ونهايتها ..ولكنه لم يذكر أسباب ولادة وموت الحضارات ..وذلك لسبب بسيط ..وهو ..لم يكن الخليوي موجود في زمانه ..وديدن الأمر لا يتعلق بالخليوي بحد ذاته ..وإنما في مفهوم الاتصالات وسرعتها ..والسؤال المطروح ..لماذا كانت الحضارات أو الدول أو الفتوحات أو الحروب ..تدوم لقرون طويلة ؟بينما هي ذات عمر قصير كلما تقدّم الزمن ؟
الجواب بكل بساطة :سرعة الاتصالات
ففي العهود القديمة كانت وسائل الاتصالات بطيئة جداً تتمثل بالحمام الزاجل أو الأحصنة  ..أو السفن البحرية الشراعية البطيئة ..فكان يلزم الوقت الطويل للتواصل بين قادة الجيوش ..أو بين الملوك والخلفاء والحكام وفي النهاية نكون أمام النتائج التالية :
1-استهلاك زمن طويل في معرفة نتائج الحروب
2-مرور زمن طويل على إجراء المفاوضات السياسية والاتفاقيات التي تلبي الحروب عادة .
3-استطالة زمن الحروب وهمجيتها ..وازدياد ويلاتها ..بسبب فقدان أو بطء الاتصالات والتواصل...
4-عدم القدرة على استخدام الحرب النفسية في المعارك ومن المعروف أن الحرب النفسية هي من الأسلحة الخطيرة لدرجة قد تحسم الحرب خلال أيام .كما فعلت أمريكا في العراق حين ادعت أن بغداد قد سقطت ...مما دفع الجنود إلى التخلي عن السلاح والانضمام الفوري إلى المدنيين ..وجوهر الحرب النفسية هو إيصال فكرة ما إلى الشعب والعالم من خلال مدة قصيرة وهذا لا يتم إلاّ عن طريق وسائل الاتصالات الحديثة فلو فرضنا على سبيل المثال أن الروم في وقتهم ذاك ...أرادوا أن يشيعوا خبراً حول سقوط مدينة ما ...فكان يلزمهم من الوقت ثلاثة أشهر ...وحوالي عشرة آلاف عامل بريد كي يعلم جميع الناس بهذا الخبر .
أما في أيامنا هذه فيمكن تلخيص ميزات الاتصالات كالتالي
1-معرفة ما يجري في العالم وساحات المعارك ثانية بثانية
2-سرعة وصول نتائج الحرب إلى الناس كسرعة البرق
3- الإطلاع على المباحثات السياسية والاتفاقات وجميع  ما يجري في أروقة الكواليس الديبلوماسية في وقتها .
4-سهولة استخدام الحرب النفسية ولعل ما حدث في فترة مايسمى بالربيع العربي وسرعة سقوط الزعماء العرب خلال أسابيع ...إن لم نقل أيام قليلة –ماهو إلاّ دليل قاطع على أهمية وفظاعة الحرب النفسية في إنهاء الحروب والأزمات .... والسؤال المطروح ...ما علاقة الحروب بنهاية الحضارات أو زوال الدول ...قبل الإجابة ...لنشبه الحرب بالألم .والجواب هو :لا يمكن لحضارة أن تبنى من دون حروب ... ولا يمكن لحضارة أن تفنى إلاّ بالحروب أيضاً ..بمعنى آخر ..لو شبهنا ولادة  الحضارات وموتها ..بولادة الإنسان وموته ...لوجدنا أن الألم هو عنوان الولادة ...والألم هو عنوان الموت ..وكلاهما يشبه الحرب ..لأنها مؤلمة ..وموجعة في بدايتها وفي نهايتها.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نصر مشعل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة