هواجس الانتماء والغربة والحنين... في قصص ( حدث ذلك اليوم )

العدد: 
14927
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 29, 2017

قدم الأديب (عيسى إسماعيل) في مجموعته (حدث ذلك اليوم) قصصا ذات بناء سردي يعتمد الصيغة الحكائية المرتكزة على شخصيات مأخوذة من شرائح اجتماعية واسعة، قد تتناقض مع المجتمع، ولكنها لا تستطيع -أو لا تريد- الاعتراض على واقعها المرير، وهذا أحد أهم الأسباب الذي جعل الشخوص تتحرك ضمن حيز مكاني معهود بتفاصيله، لهذا يتشكل المكان كخلفية حيث يدور الفعل. مع التنويه إلى أن هذه الأفعال تنطوي في خانة ما هو شائع ومألوف في مسعى جدي من المؤلف للاقتراب من القارئ.
***
في المجموعة ثمة إصرار على استمرار الحياة، مما يجعل الأمل حاضرا بقوة. فالأب في قصة (حدث ذلك اليوم) يدفن وليده المتوفى أثناء العملية القيصرية في فناء داره، وكأنه بذلك يرفض التخلي عنه، حتى بعد موته، بل يصر على إبقائه في داره كأحد أفراد الأسرة، وان لم يكن غير ذكرى مأساوية. لهذا يأتي الحمل الثاني للزوجة مشوبا بالذكريات الحزينة، رغم ما يصحبه من بهجة. ولكن الذكريات المحزنة سرعان ما تنسحب ، ويصبح التهديد بإجهاض آخر مستبعد عندما ترشد الزوجة زوجها إلى مكان نبتت فيه زهرات النرجس: (أصبت بالدهشة الممزوجة بالسرور العارم. وكانت دهشتي أكبر عندما تذكرت أن تحت هذه الزهرات، تماما ترقد قطعة من كبدي. ص14).
    والعلاقة الرمزية التي تربط البشري بالنباتي تبرز في قصة أخرى بعنوان (اغتيال) فأبو علي يحتمي بالشجرة الكبيرة من جنود الاحتلال الفرنسي، فلا يكتشفون مخبأه، لأن الأغصان الكثيفة أخفته، وهكذا أنقذته الشجرة، وكأنها ولدته من رحمها الأخضر مرة ثانية: (ومنذ ذلك التاريخ أطلق بعضهم على الشجرة اسم شجرة أبي علي. ص17). ولكن هذه الشجرة تقطع. وتنتهي القصة بأبي علي وهو يحاول السير على عكازيه ليرى ما حدث لشجرته.
والانتماء برمزيته السابقة يبرز في قصة أخرى بعنوان (أحدثكم عن أمي) وبطلها طفل يبحث عن أمه المفقودة، ويقضي كل أيامه يبحث عنها، ويأمل بعودتها في الحلم واليقظة: (كانت أمي جالسة تحت كل شجرة من أشجار الدار.. كنت أبحث عن أم واحدة.. وها قد أصبح لي أمهات كثيرات. ص54). وان كانت الشجرة غير قادرة على أن تقوم مقام الأم، فإن الأشجار الكثيرة من حوله قد تستطيع المواساة بفقدانها.
ومن الجدير هنا بالتذكير بقصة سابقة فيها أعلنت أزهار النرجس بنموها فوق قبر طفل عن ميلاد جديد، وبقصة أخرى أنقذت شجرة صاحبها من الموت، لتكون الشجرة أيضا تعويضا عن الأمومة المفتقدة.
***
ارتباط الإنسان بأولاده، وأشجاره، ، وأزهاره، يتسع ليشمل الوطن كما في قصة (رجلان ومدينة واحدة) فهي تقدم رجلا هاجر عن وطنه منذ عشرين عاما، وتزوج من أجنبية، وأنشأ أسرة في بلد أجنبي، ولم يحاول أن يتواصل هو وأسرته مع وطنه، لهذا يعود ليتقاسم الورثة مع اخوته بعد وفاة والديه، ثم ليعود إلى بلده الأجنبي، في إشارة إلى الانقطاع عن وطنه تماما. عكس الرجل الآخر الذي سافر خارج القطر لأسبوع واحد، ومع ذلك شعر بحنين جارف إلى أسرته الصغيرة التي تمثل جزءا من الأسرة الكبيرة، أي الوطن، لهذا يعود كما تعود الطيور المهاجرة إلى وطنها في نهاية المطاف: (أسرعت الخطا وأنا أحمل حقيبتين كل منهما بيد.. أسرعت أكثر.. تحول المشي إلى هرولة.. وتحولت الهرولة إلى عدو.. كنت أطير.. أطير.. أطير . ص33).
    والانتماء يأتي في صورة الانتماء الطبقي أيضا، حيث يبرز التباين بين عالم الأثرياء المشغولين بالمحافظة على مكاسبهم، من مال، وسلطة. وعالم الفقراء الذي لا يزال طازجا، حيا، برغم معاناة أهله. أما إذا انسلخ أحد الفقراء عن طبقته، والتحق بالطبقة الثرية، كما في قصة (لقد تغيرت كثيرا يا جميلة) فلن تكون السعادة المرجوة، بل الإحباط. فالفتاة الفقيرة لا تكسب عن طريق المال السعادة، بل تخسر ما تملكه من جمال، بعدما تركت بيتها المتواضع، وسكنت قصرا منيفا، مثلها مثل البلبل الذي هو سجين قفصه في القصر نفسه: (ما له هذا البلبل.. ماذا حصل لصوته.. إنه ينعق بدل أن يغني. ص60).
***
    مجموعة (حدث ذلك اليوم) عنيت بجدية في الدفاع عن القيم الإنسانية، وإدانة السلبي بكل أنواعه، ضمن رؤية عاطفية، رومانسية أيضا.
وتبقى قصص المجموعة، جديرة بالقراءة، وتستحق الاهتمام، فهي تمثل تقدما ملحوظا على صعيد التجربة القصصية للقاص (عيسى إسماعيل) الذي ننتظر منه دوما أعمالا جديدة تعالج موضوعات معنية بالطيف الأوسع في المجتمع.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة