نواة أخلاقية مشتركة

العدد: 
14931
التاريخ: 
الأحد, أيلول 10, 2017

يعتبر الدالاي لاما بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، فكلمته مسموعة في كل أرجاء العالم البوذي، بل وفيما وراء ذلك.. فهو أحد حكماء العصر الراهن، وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام على الصعيد العالمي كله. و«الدالاي لاما» هو لقبه وليس اسمه الحقيقي، وهو يعني حرفيا «بحر العلوم» أو «بحر الحكمة». أما اسمه الحقيقي، فهو تنزان غياتسو ولا أحد يعرفه به.
اصدر كتابا رائعا يحلل فيه جميع الديانات السماوية يقول في كتابه الشهير : الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباهي هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح، فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومع ذلك، فان الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حالياً هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟
لماذا يتوقف الدالاي لاما عند هذه النقطة أكثر من غيرها؟ لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها، والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينا عظيما. من هنا بدا سر إعجابه بالإسلام ودهشته واستغرابه عندما اكتشفه أو تعرف عليه لأول مرة، فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فكيف حول بعض الناس ورجال الدين والسيئين هذا الدين الجميل الى دين قسوة وقتل؟؟ ويتوقف الدالاي لاما عند الاية الكريمة (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)». وقال انه التقى برجال دين حكماء اخبروه أنه ينبغي على المسلم أن يحب مخلوقات الله كما يحب الله ذاته، ثم يعلق على ذلك: «وهذا رائع». ثم يضيف: «بالطبع، فإن اللغة التي يستخدمها الإسلام للتعبير عن التعاطف الكوني أو الشفقة الكونية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الديانة البوذية، ولكن المفهوم هو ذاته في نهاية المطاف، ثم إن التأثير النفسي الذي يحدثه على أخلاقية الفرد وسلوكه متطابق في كلتا الحالتين، إنه متطابق مع المبدأ البوذي الذي يدعو إلى التعاطف الكوني والشفقة والرحمة مع جميع البشر والكائنات».
يردف الدالاي لاما قائلا:
«إن الصورة المشكلة حصرياً عن الإسلام كدين عنف خاطئة، ولكن ينبغي على كبار شيوخ الإسلام أن يتخذوا منها موقفاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض. ينبغي عليهم أن يقولوا لأتباعهم بأنه لا توجد أي علاقة  بين الإسلام والتفكير ألإقصائي والتكفيري. ينبغي عليهم أن يقولوا بأن التفسير المتطرف للدين ليس فقط مسيئا للتراث الإسلامي ومشوها لسمعة المسلمين، وإنما هو أيضا مخالف للغنى الفكري والروحي والأخلاقي الذي يمثله تراث الإسلام الكبير. إنه ظلم للإسلام أكثر مما هو ظلم للآخرين».
الشيء الذي فات الدالاي لاما هو أن التفسير العنيف، بل والإرهابي، لرسالة الإسلام هو من صنع حركات الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين وكل ما تفرع عنها من حركات أشد عنفاً وبطشاً. وهذا ما يعترف به صراحة الأستاذ فريد عبد الخالق الذي كان عضواً في جماعة «الإخوان» لفترة طويلة قبل أن يبتعد عنهم.. لماذا؟ لأن الإسلام، كما يقول صراحة، ذو بعد إنساني فيه شفقة ورحمة بالعباد إذا ما فهمنا القرآن الكريم جيدا. وهذا ما لا يدركه «الإخوان» أو بعضهم. (انظر بالفرنسية كتاب: «الإخوان المسلمون». تأليف كزافي يهتيرنسيان. ص: 41 - 42. والكتاب عموما متعاطف مع «الإخوان» لا متحامل عليهم. ولذا لا يمكن اتهامه بأنه يحاول تشويه سمعتهم). وبالتالي، فسبب فشل «الإخوان» يعود إلى هذه النقطة بالذات: أي إلى إهمالهم جوهر القرآن الكريم القائم على الرحمة والمغفرة ومكارم الأخلاق، لا على الحرب والضرب والعنف والإكراه والقسر. «لا إكراه في الدين»
وحين اعترض صحافي فرنسي قائلا: «ولكن البوذيين مارسوا العنف ضد المسلمين في بورما؟» فرد عليه الدالاي لاما: «نعم، وهذا ما آلمني جدا. وقد أعطيت الأوامر بإيقافه فورا..
لكن ما لم يذكره الدالاي لاما المحترم طالما ان تعليماته لم تنفذ علماً أن مبدأ البوذية قائم على اللا عنف وتتنافى جميع الأفكار العدوانية مع كافة التعاليم البوذية. فالبوذية يوجد من بين تعاليمها ما يكفل القضاء على العدوانية، من خلال التأمل ينمو التعاطف إزاء تجاه جميع الكائنات. فمن هم البوذيون الذين امروا بارتكاب العنف ضد المسلمين في بورما؟ ومن هو الراهب اشين ويراثو؟ أشين ويراثوهوراهب بوذي بورمي، يشتهر بتعصبه ضد الإسلام، ويعتبر الزعيم الروحي للحركة المناهضة للمسلمين في بورما، ويشتهر بخطبه المعادية للمسلمين، ووصفه لهم بـ «العدو» واعتبرته مجلة «تايم» الأميركية أنه وجه الإرهاب البوذي ووصفته أيضا بن لادن البوذية والذي انضم إلى حركة «969» وهي حركة دينية قومية بوذية تهدف وقف انتشار الإسلام ومحاربته و جعل بورما قبلة للبوذيين لسيادة العالم البوذي، وتدعو إلى حماية الهوية البوذية في ‏البلدان البوذية، وتقوم بشن حملات تحريضية، واستخدام العنف ضد مسلمي بورما بدوافع دينية بوذية وسياسية ‏واجتماعية وثقافية.اذا قارناها مع داعش نجدها تريد إقامة دولة الخلافة أيضاً... لكن مع فارق ان الخلافة هنا بوذية للسيطرة على العالم البوذي كله.في العام ‏‏2003، حكم عليه بالسجن 25 عاما بتهمة التحريض على الكراهية الدينية والعنف ضد المسلمين، وأُفرج عنه العام 2012، في حملة عفو عن سجناء، ليذهب إلى مسقط رأسه ماندالاي، ليمثل ‏الزعيم الروحي للحركة و يتميز بتأثيره القوي على المجتمع البوذي، ومحاضراته وخطبه التي يدعو فيها إلى محاربة الإسلام من أجل الحفاظ على الديانة البوذية بحسب قوله. وهناك قوى مستترة تدعمه في الخفاء لأهداف سياسية كبيرة ومخططات عظمى قد نكتشفها لاحقا وقد تكون نفس القوى التي دعمت بن لادن خلال تواجده في أفغانستان.. وتدعم داعش حالياً...
أخيرا، استطيع أن أقول: « لا توجد حقيقة واحدة مطلقة في هذا العالم، وإنما عدة حقائق وأديان. وهي ليست متناقضة فيما بينها، وإنما متكاملة إذا ما فهمناها على حقيقتها. وينبغي أن تتعايش بسلام في عصر العولمة الكونية.
 يقول هانز كونغ أيضا: جميع الأديان تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، هناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الأديان على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها..

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.عبد المؤمن القشلق

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة