أدب الأطفال والنقد في حوار مع الناقد شعيب إبراهيم

العدد: 
14977
التاريخ: 
الثلاثاء, تشرين الثاني 14, 2017

الأدب يعكس حضارة الأمة ورقيها, ويؤسس لنشوء علاقات إنسانية واعية, صاعدة تمسك زمام الأمور, وتقود البلاد بأفكارها النيِّرة وتطلعاتها المتوازنة نحو طريق الازدهار الفكري الذي من خلاله يتحدد المناخ العام للمجتمع. ونحن الآن بصدد ما تتعرَّض له البلاد من حرب بربرية شرشة, لا بدَّ لنا من ان نقف وقفة جادة حيال حركة الأدب في سورية. فكان لنا الحوار التالي مع الأستاذ (شعيب إبراهيم) وهو حاصل على ماجستير في البلاغة والنقد من جامعة دمشق, وله العديد من النشاطات النقدية في المراكز الثقافية في محافظة حمص يهتم بنقد أدب الأطفال بشكل خاص, ومهتم بمتابعة الحركة الأدبية في سورية بشكل عام.  
ـ نحن أمام أدب سوري متعدد الأجناس في بحر متقاذف الأمواج, فما رأيك بحركة الأدب في سورية من خلال قراءاتك بشكل عام؟
ـ إن الأدب الآن يتَّجه نحو الركود لأن بعض المبدعين يكثرون من تكرار الموضوع الواحد بلبوسات مختلفة , فالأدب إما وسيلة للتكسب, أو رغبة في الظهور, وهذا عائد إلى عدم سعي المبدع إلى تطوير فنه بشكل حقيقي وفعَّال, إذ يجب عليه أن يطوِّر نفسه بنفسه لإيجاد وسائل وتقنيات جديدة تواكب تطلعات العصر سواء كان على مستوى القصة أم الرواية.. أوعلى مستوى الشعر بأنواعه المختلفة.
وهذا نمط عام يسود الأدب السوري ما خلا بعض الأسماء القليلة التي تشتغل في النص الإبداعي على تحديث الأساليب لخلق مناخ نقدي  يدفع بالناقد لتذوقه, يضاف إلى ذلك المزاجية التي أخذت تصبغ أدبنا بصبغته الخاصة, وهذا يرجع إلى الظرف العام المسيطر على طبيعة حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ـ الأدب الجيد كخلية العسل؛ فأية أعمال أدبية جذبتك إليها بحيث ما إن انتهيت من قراءتها حتى راح قلمك يغزو تفاصيل العمل بأريحية ومتعة؟
ـ النص النقدي هو نص إبداعي بحد ذاته, ونواته النص الأساسي الذي يشتغل عليه الناقد, وعندما أجد نصَّاً تعوم فيه الظواهر النقدية, أو تغوص بين سطوره, فإن حماسي النقدي يتفجَّر على صدر ذلك النص لأبدأ الحديث عنه بإدلاء رأيي, كما أن هناك نصوصاً ذات أساليب سردية تختلف عن باقي النصوص الأخرى , بحيث أجد فيها تجديداً في التقنية من توظيف لظاهرة ما أو توليد للصور أو الاعتماد على الألوان لإبراز أفكار معينة, أو توظيف للحواس وبعض ألوان البديع مما يكسب النص رشاقة وعذوبة..
وتوجد نصوص أخرى تحمل في طياتها الفكرة ونقيضها بحيث تخلق ثنائية لا بد من تسليط الضوء النقدي عليها ليتم  الغرض المقصود من النص الإبداعي, وهذا كله منوط بذائفة الناقد بعيداً عن ميوله العاطفية والفكرية.
ـ بالانتقال إلى (أدب الكبار) كيف ترى حاله في وقتنا الراهن؟
ـ إن الأدب بوصفه مرآة تعكس أحوال المجتمع وتسجل قضاياه المعاشة يجب أن يكون أدباً توليدياً يحاول أن يحقق مقولة تواكب العصر الذي يعيش فيه ويعالج مشكلة ما , ومن غير المفيد أن يكون الأدب ساكناً تتبادل بين فنونه المختلفة من قصة ورواية وشعر الرؤى ذاتها حول ما يمكن تسليط الضوء عليه, لذلك أرى أن (أدب الكبار) هو أدب كمِّي , وليس أدباً نوعياً يبحث عن منفعة ما, فلم نعد نرى تطبيقاً مثالياً لنظرية الفن للمجتمع ولا لنظرية الفن للفن, باستثناء بعض الأسماء التي تفائلنا من وقت لآخر بشيء جديد سواء كان على مستوى الشكل أم على مستوى المضمون, وهذا عائد إلى أسباب شتى منها ما يتعلَّق بثقافة التجربة الواقعية أو الشعورية لرسمها بالكلمات بوصفها الإرهاص الأول للعمل الإبداعي, ومنها ما يتعلَّق بالظرف الاجتماعي والسياسي المعاش.
ـ هل الأدب مقصِّر بحق نفسه أم النقاد هم المقصرون بحق الأدب؟
ـ يؤسفني القول: إن الحركة النقدية في سورية حركة هشَّة خجولة, لا تزال قابعة في ركن مظلم, فالناقد مبدع بحد ذاته لأن وظيفته الأساسية تتبلور في إماطة اللثام عن وجه النص الإبداعي  وكشف الجوانب المخفية فيه من خلال شبكة عنكبوتية من العلائق اللغوية والصرفية واللسانية التي يجريها الناقد في مخيلته الحاضرة لينبه المتلقي إلى مقاصد الأديب القريبة البعيدة التي صرَّح أو أومأ بها, وهذا ليس بالأمر السهل لأنه يتطلَّب مجهوداً ذهنياً يستند إلى ثقافة واسعة وقراءات متنوِّعة بين القديم والحديث وبين التنظير للأدب والتنظير للنقد.
وإذا كان الأدب قد قصَّر بحق نفسه في مقام ما, أو زمان ما, أو بسبب وضع اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي.. فهذا لا يبرر تقصير النقد عن متابعة سير العملية الأدبية وتسليط الضوء على جوانبها المختلفة السلبية والإيجابية ورفض الظواهر التي تعكس القيم الفنية المنعكسة عن المحصلة الجمعية للأعمال الأدبية في زمن ما.
ـ ما سبل إنعاش الأدب, لدعم التواصل ما بين الأديب والناقد؟
ـ كما قيل: الأديب هو الناقد الأوَّل لنصه. ومن الصعوبة بمكان أن يكون الأديب ناقداً , أو أن يمتنع الناقد عن كتابة الأدب, فهاتان الشخصيتان صنوان لا يفترقان. وإذا كنا نبحث عن سبل إنعاش الأدب فمن الجدير بنا أن نبحث عن سبل إنعاش النقد, ذلك لأن تنشيط الحركة النقدية يفضي بنا إلى بث الروح بشكل تلقائي في الحركة الأدبية إما من باب المنافسة أو من باب إظهار البراعة في إسقاط الظواهر النقدية على نص أدبي ما.
ولعل من أهم وسائل إنعاش النقد, نشر الثقافة النقدية بين صفوف الكتَّاب, والعمل على خلق الناقد المثالي الذي يمتلك أدواته النظرية والعملية وذلك بالإكثار من الندوات والمحاضرات التي تبتعد عن النقد التنظيري وعن النقد الانطباعي الانفعالي السائد في أيامنا هذه, حيث يجب التوجه إلى النقد التطبيقي من خلال تناول النصوص الأدبية بأجناسها المختلفة بالتحليل العميق وربط النقد بالدراسات الألسنية والنحوية والصرفية للوصول الصحيح والمباشر إلى كشف جوهر النص الأدبي والولوج إلى عمق المعنى , وهذا يتطلَّب من الناقد أن يكون باحثاً مختصاً يعتمد في عمله على دقة الملاحظة وسرعة البديهة.    
ـ هناك موجة من الأدب المتدفق الذي يعتليه من لا علاقة لهم بالأدب فينشرون كتاباتهم بأغلفة رائعة وورق ممتاز دون أن تحمل تلك الكتب صفة الأدب, فما رأيك في هذه الظاهرة المتدفقة الآن؟
ـ تلفتني هذه الظاهرة حيث تطفو على السطح كما ذكرت مجموعة من الذين يدَّعون الأدب بوصفه موهبة دون أن يقفوا على أرض صلبة  يستندون إليها فيما يطلقون من كتابات ومنشورات, فلا بدَّ من التفكير أن الأدب صنعة قبل كل شيء, ولا بدَّ للصانع من أن يمتلك أدواته المناسبة, وألا تكون وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة ميداناً لكل من استلَّ قلمه وشرع بالكلام, فالأدب مسؤولية أخلاقية واجتماعية ورسالة لا يؤدي فحواها إلا الأديب الحق المتمكِّن بأدبه.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة