مشاعر مبعثرة ... على الأنترنت

العدد: 
15126
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 3, 2018

 قالوا في الماضي: «إن الحب يأتي من أول نظرة»، وفي زمننا الحالي، ومع التطور والتقدم في التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية أصبح يقال: «إن الحب يأتي من أول مراسلة»، إذ تطور الحب لينتقل نقلة جديدة ويصبح حباً إلكترونياً بعد أن كان على أرض الواقع وجهاً لوجه، وأصبح الحب يتمثل في إيميل ورسائل غرامية عبر الإنترنت، وهناك من يتوقع أن الحب و الارتباط عن طريق الإنترنت أمر مشروع وهادف، بينما يجده آخرون فيروساً يهدد البيوت، وأمراً مرفوضاً تماماً.. فهل نجح الحب عن طريق الإنترنت، أم هو مجرد تسلية بمشاعر الآخرين وبحث عن مغامرة؟

                    حب غير مضمون!    
تقول سماهر - مدرسة فنون: أنا ضد فكرة ومبدأ الحب والارتباط عن طريق الإنترنت، وأرفض بالطبع ما يسمى «الحب الإنترنتي»، فقد مررت بقصة صغيرة وكانت صداقة عابرة، وبمرور الأيام اكتشفت أن الطرف الآخر ﻻ يهمه إلا أن يتسلى فقط، وأن تكون تسليته خارجة عن حدود الأدب واللياقة، فلم أجد فيه الشخصية المثقفة المحترمة التي تتحدث بفكر عميق عن المواضيع العامة، كالفن أو السياسة ، ولكن كان هدفه الأساسي التسلية وتضييع وقته بالاختباء خلف الشاشة والتحدث فيما يرفضه الدين والأخلاق والمجتمع، وأرى أن من يقومون بالاختباء بأقنعة مزيفة خلف الشاشات ليحصلوا على الحرية التي توضع لها قوانين في الحياة الاجتماعية هم شخصيات غير سوية، و أصحاب وجهين وشخصيتين، فهم على الإنترنت خبثاء، وفي الحياة يدعون البراءة.
وكانت تجربتي تلك درساً لي، تعلمت منه أن الحب ﻻ يكون من خلال الإنترنت، وأنه يحتاج إلى صدق من المحبين، وإلى تواصل سمعي وبصري، ومعرفة الشخص وجهاً لوجه، وبعد ذلك ممكن أن يعززه التواصل عبر الإنترنت إن وجد حينها ارتباط رسمي، ولكن يجب أن يكون اللقاء الأول والمعرفة الأولى من واقع الحقيقة وليس الخيال، فالتواصل عبر الإنترنت لا يجعلك تشعر بمشاعر الطرف الآخر إن كان صادقاً أم كاذباً، وﻻ تستطيع أن ترى تلك اللمعة في عينيه.
المجتمع مازال يرفض حب الإنترنت!
ليس ذلك فحسب، بل هناك أيضاً نظرة مجتمعنا الشرقي للحب عن طريق الإنترنت، والتي مازالت غير مكتملة وناضجة، فأنا أرى حولي فشل الكثير من الزيجات التي اكتملت وكانت بداياتها معرفة عن طريق الإنترنت، وأنا كفتاة شرقية من عائلة محافظة علاقاتي على مواقع التواصل الاجتماعي جميعها صداقات لأقارب لي أو صديقات مقربات في الحقيقة، وليس من خلال تعارف الإنترنت الذي لم يعد كالسابق، فهو الآن أعتبره ترفيهاً فقط وليس حقيقة أعيش معها، فالصداقات على الشبكة العنكبوتية  مجرد وهم وخداع لا أكثر ولا أقل، وأنصح جميع الفتيات والشباب بالنزول إلى أرض الواقع لمعرفة ما هو الحب الحقيقي وليس الكاذب.


حفلة تنكرية
من جهته، يقول أحمد - لغة إنجليزية: أرفض بكل المقاييس ما يسمى بالعلاقات الغرامية والحب عن طريق الإنترنت، مما لا شك فيه أن شبكة الإنترنت قد تملكت عقل واهتمام الإنسان الذي دأب على اكتشاف أسرارها ومعرفة خباياها، واستحوذت على اهتمام الكثير من الناس من مختلف الأعمار، وأصبحت هذه الشبكة تستخدم لأغراض بعيدة كل البعد عن الأهداف التي وجدت من أجلها، كاصطياد الفتيات والإيقاع بهن تحت مسمى الحب ، وزوارها لا يكشفون عن هويتهم الحقيقية غالباً، وقليلون هم من يقولون الحقيقة للطرف الآخر، فنجد الشاب يقدم نفسه في أفضل صورة، ليتضح بالنهاية أن الشاب الوسيم ما هو إلا شاب لا يملك من الجمال ما يمكّنه من إغراء أي فتاة، وقد يكون خلف ذلك الاسم الأنثوي الجميل رجل، وخلف ذلك الاسم الذكوري فتاة ناعمة، ففي الإنترنت نحن أشبه ما نكون بحفلة تنكرية خلف الحجب المادية والمعنوية.
مع انتشار الإنترنت، سعى كل شخص في اكتشاف هذه الشبكة العنكبوتية للتواصل مع الآخرين، والتعرف على أشخاص من بلدان مختلفة، خاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وخلافه، حيث عمل على تقريب المسافات، وإزالة الحواجز الجغرافية والفكرية والثقافية، مما جعل الأمر يتطور من مجرد علاقات اجتماعية وصداقات، إلى تكوين علاقات عاطفية وحب وزواج من خلال الإنترنت وعبر مواقع التواصل.
  إن  الأبحاث الحديثة تشير إلى أن المرتبطين بعلاقة بعيدة المسافات يتحدثون أكثر من الذين يعيشون في مدينة واحدة ولكنهما يتفاعلان بشكل أعمق وأكثر وضوحا من الآخرين، ويساعدهم ذلك على التعرف ببعض أكثر وبشكل جيد وأعمق،   والعلاقة التي تقوم على بعد المسافات تعتمد في المقام الأول على الحميمية العاطفية والتقارب الروحي أكثر من الحميمية الجسدية، وبهذا فإن الحب هو الذي يحرك هذه العلاقة، وهو ما يجعلها تستمر أكثر من العلاقة التي تبنى على الانجذاب الجسدي أو الشكلي.
 عندما تقوم العلاقة بين اثنين بعيدين عن بعضهما البعض، فهنا تقوم العلاقة على أساس الثقة بين الطرفين والتوافق الفكري، لأنك تكون مطمئنا وواثقا في أن شريكك لن يخونك أو يعبث بكرامتك وأنت بعيد، و ما يميز العلاقات بعيدة المسافة أنها تمنح المرء سعة من الوقت لنفسه يقضيه مع الأصدقاء والأقارب، ويستطيع ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية ويستمر في علاقات إنسانية أخرى، على عكس العلاقات القريبة التي تحكم عليك في بعض الأحيان بالتفرغ لها فقط، كذلك فإن الحياة منفردة تعلم الشخص كيف يواجه تحديات الحياة والصعوبات بمفرده دون الاعتماد على أحد؟ ويكون على شريكك أن يدعمك عاطفيا فقط لتكون قادرا على مواجهة هذه التحديات مما يكون له أثر إيجابي على شخصية الفرد في الاعتماد على نفسه.
وبرأي أحد  الأطباء النفسيين أن الكثير من الشباب يدخلون في علاقات عاطفية عبر مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أو مواقع الدردشة باعتبارها أحد السبل الحديثة للتعرف على أشخاص آخرين وتفريغ الطاقة الداخلية الكامنة من خلال هذه العلاقات، وربما تنتج عن هذه العلاقة زواج في نهاية المطاف، لكن أغلب هذه العلاقات تكون مزيفة وتعتمد على الأهواء الشخصية والتلاعب بمشاعر الآخرين، لافتا إلى أن بعض العلاقات العاطفية التي تنشأ عبر الإنترنت وتنتهي بالزواج تنجح بسبب وجود نوايا طيبة وصادقة بين الطرفين، كما أن لديهما جدية في معرفة كل شخص للآخر، لذلك لابد أن يكون هناك مصارحة متبادلة، أما إذا كانت الأمور تسير عكس ذلك، فمن الطبيعي أن نعرف أن الطرفين يقضيان وقتا جميلا مع بعضهما دون تعرف كل منهما على الآخر.


ويوضح مصطفى - كلية الحقوق- أنه من أسوأ العلاقات التي تنشأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي تلك التي تقوم على الخداع بين الطرفين، من خلال إخفاء كل طرف لحقيقته عن الطرف الآخر وربما هويته وصورته، ففي بعض الأحيان يتحدث الشاب مع فتاة ويكتشف في آخر المطاف أنها ذكر مثله، أو يكتشف أن أحدهما ضحية الآخر ولكن بعد فوات الأوان، مؤكدا أن هذه الحالات من شأنها أن تؤثر على الحالة النفسية للشخص بشكل كبير ولا تزول بسرعة، أما العلاقات التي تنتهي بالزواج فنسبة نجاحها تكون متفاوتة على حسب طبيعة الشخص والأسرة والتنشئة الاجتماعية، وما إذا كانت العلاقة مبنية على الصراحة منذ البداية أم لا؟.
وتعود أسباب اللجوء لإقامة علاقات عاطفية من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى الفراغ النفسي، وعدم توفر أنشطة مفيدة ، فالفطرة تدفعهم إلى الحب والارتباط من خلال هذه الطريقة، بالإضافة إلى وجود مشكلات داخل الأسرة وعدم الاهتمام النفسي وغياب لغة الحوار، فيلجأ الشاب والفتاة إلى عالم الشبكةالعنكبوتية الواسع ليستمع إلى أي شخص ويحدثه عما يدور في ذهنه وتتطور العلاقة إلى أن تأخذ شكل الحب بالتزوير، كما أن الحالة الاقتصادية السيئة وزيادة متطلبات الزواج وانتشار البطالة من عوامل انتشار تلك العلاقات، بالإضافة إلى أنه من الممكن أن يكون الشخص يعاني مشكلات نفسية واجتماعية لذلك يلجأ إلى الإنترنت لكي يفرغ طاقته، ويعالج مشاكله النفسية.
 العلاقات العاطفية التي تقوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي غالبيتها غير حقيقية وتقوم على الكذب والخداع،كل شخص لديه شخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي ليست شخصيته الحقيقية ولكنها الشخصية التي يتمنى أن يكون عليها، والوقاية من هذا الخطر لا تكمن في الرقابة ولكنها تتمثل في ملء وقت الفراغ وخاصة الفراغ النفسي والاجتماعي الذي يلاحق الشباب، وفي حالة وجود علاقة قوية بين الشباب وأسرهم، فستكون لديهم رقابة من الداخل تمنعهم من الوصول إلى احتياجاتهم العاطفية بطريقة خاطئة وتمنعهم من خداع الآخرين والتلاعب بمشاعرهم، كذلك عندما تكون هناك علاقات اجتماعية ناجحة قائمة على الحوار والتبادل المعرفي فلن يلجأ الشاب لمثل هذه العلاقات المضطربة.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة