«نور و نار» ...لوحات من تبر مخبوء تحت أنقاض الزمن ... ذكريات الحياة ترسمها القاصة الإعلامية سعاد سليمان في باكورة أعمالها

العدد: 
15126
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 3, 2018

لا يعرف القارئ أين يجدها بين سطور كلماتها في السرد أم في الشعر في القصة أم في الرواية و ربما وجدها فيها جميعا تبحث عن أسئلة كثيرة محيرة بعيدة عن الإسفاف و تبحث عن الـــجـــمــال و مواطنه في الروح البشرية ليس الجمال الظاهر للعيان و لكن ذاك الــخفي و المتخفي بين الظلال و العتمة أو ذاك الذي يشبه التبر المخبوء تحت أنقاض الزمن..
 « نور و نار» لكاتبته الزميلة القاصة سعاد سليمان لوحات من حياة   كتابة إبداعية خلاقة استخدمت فيها الكلمات و الجمل لتوصيف الحدث و الحكاية بأسلوب الدهشة و الصدمة و التأويل و الفلسفة أحيانا و الاقتصاد اللفظي حد البلاغة بأرقى جمالها...هي تبحث عن الحرف الكيميائي «الملك» لتتفاعل معه روحها و نفسها في لغة واقعية بسيطة فيها الحكمة و تنظر إلى الحياة من زاوية إنسانية و هي تصف الحزن العميق و الألم المكتوم الذي يسببه البشر حتى أن القارئ يستطيع أن يعرف حياتها من لوحاتها التي كان أبطالها أهلها و الجيران و الأقرباء و المعلمة و العادات و التقاليد و المحيط البصري و الاجتماعي النفسي ... في كل لوحة من لوحات الكاتبة رحلة رجوع لتتذكر جملة من الأحداث الماضية حيث تسرد الكاتبة رحلة معاناة والدها يافعا من سورية إلى لبنان ليجد ملاذا آمنا تاركا إرث والده و قصته المؤثرة مع الضبع  ثم عودة أسرتها إلى حمص مستذكرة أهم مواقفه و كلماته المؤثرة فيها إنسانيا و التي استقرت في أعماقها حتى اللحظات الأخيرة لوداعه و دفنه في قريته مسقط رأسه و تنتقل لوصف طفولتها و معاناتها في المدرسة مع المعلمة و عقاب المسطرة مما جعلها تكره المدرسة، و تعود لسورية تحت إصرارها لتلحق بأسرتها في حمص و تعيش أياما جميلة في مدارسها و في فصل الصيف تقضي جزءا منه مع إخوتها في قرية والدتها بصافيتا و كانت جنتها الأولى حديقة طريق الشام في حمص القريبة من منزل أهلها  بجمال ورودها و أشجار الصنوبر و الأحواض و المراجيح وجنتها الثانية  مدرستها حيث المعلمة اللطيفة و المديرة المحبة و تصف الطريق إليها بجانب قلعة حمص و الحي العتيق و البيوت القديمة من التراب و الشوارع الضيقة و سوق الحشيش و معامل النول و البسط الملونة و الباعة و الصناعيين و اللعب مع الأطفال حتى ساعات الليل الأولى و حمص بحاراتها و شوارعها و أسواقها و مظاهر الفرح و العيد و رمضان و العادات و التقاليد الجميلة التي كانت سائدة في إكرام الضيف و كيف أصبح منزلهم في حمص مأوى الهاربين من الحرب الأهلية في لبنان رغم عدد أسرتها الكبير إلى انتصارات حرب تشرين التي كانوا يسمعونها عبر المذياع و دخول التلفزيون في حياتهم لأول مرة و برنامج مقالب غوار و مسرحيات محمود جبر و سينما فارس و نجود و البيوت المفتوحة على بعضها و المحبة و الألفة بين الجيران و رفيقاتها في الحي حتى دخولها جامعة دمشق التي تضم طلبة من دول العالم لتصف دمشق بجمالها و روعتها بسحرها و مساحاتها الواسعة و جبل قاسيون و باب توما و الصالحية و الحميدية و كل سوق له نكهته الخاصة وصولا لأيام الشباب و العشق و قصص الحب و السينما الجميلة وحبها لابن الجيران في حمص حتى زواجها و إنجابها يارا و أحمد ولديها الوحيدين و عملها في جريدة العروبة إلى رحيلها عن حمص منذ سبع سنوات عجاف بعد أن تحولت قلعتها   التي كانت تزين صباحاتها إلى دروب رمادية باهتة نتيجة الإرهاب و قذائف الهاون و القنابل و طلقات المسدس الخائن و رصاص القناص الطائش كما وصفته   .


و لا تخلو لوحاتها من وقفات هامة في حياتها تتذكرها حيث قالت لها والدتها أنها ولدت «يوم شنق حبيب نفسه» و هو عامل سوري يعمل في لبنان بأعمال البناء و كيف تحولت تسميتها من سناء إلى سعاد بعد ولادتها  و تسترسل الكاتبة في ذكرياتها منتقدة بعض العادات الاجتماعية كجرائم الشرف من خلال قصص واقعية حدثت و تركت أثرا إنسانيا في حياتها فأبطال الشر كما وصفتهم أولئك الذين يغسلون عار الشرف بالقتل و الذين يتركون أبناءهم اللقطاء أولاد الخطيئة و من يشنق نفسه بسبب العشق إلى حكايات والدتها المليئة بالحكمة و هي التي حفظت سيرا شعبية متداولة و قصصا من الحياة كانت ترويها لها و لأخوتها علما أنها لم تدرس في مدرسة قط ...والدتها التي يبدو جليا تأثرها بها بعد أن فقدت إحدى ساقيها نتيجة مرض السكري و عاشت معها سبع سنوات عجاف قالت عنها الكاتبة أنها كللت مسيرة عمر من نضال و شقاء و تعب و حزن و قليل من فرح مسروق لتتوج بطلة للحياة و هي مسجاة فوق سريرها بعد أن قدمت  لعشرة أولاد حملتهم بهمومهم و فرحهم سنوات و تعلن الكاتبة فرحها حين شاهدت ذلك الوجه الذي تعشقه راضيا مرضيا و هو يلف بالكفن يكاد يبتسم فلقاء الرب أجمل ، هذا ما قالته في سرها و هي تبتسم خفية :أمي ارتاحت من عناء طال ... أمي الحبيبة تبتسم أخيرا و أنا أبادلها ابتسامة خفية و ألوح لها بيدين حزينتين منهكتين لقاء الرب أرحم هو الرحمن الرحيم هكذا قالت لي قسمات الوجه الجميل و قد اختفت الخطوط القاسية عند أول لقاء.  
ثلاث و أربعون لوحة متصلة تعتبر رواية رجوع إلى الماضي لنبش ذاكرة متقدة من نار و استخراج مكنونات النور الإنسانية عند أبطال هذه الرواية و الاستشعار بالأحاسيس و المواقف التي مرت في تنقل و حركة و تغيير الزمان ثم العودة ثانية للحاضر بأسلوب سردي مقتضب و طريقة مبهرة بالربط بين أطراف اللوحات «القصص» يشعر القارئ أنه أمام رواية ذاتية و رحلة توثيقية لأهم لحظات حياة الكاتبة الإنسانية بحلاوتها و مرارتها ...لوحات متصلة من لحم و دم و روح حية لواقع عمره أكثر من خمسين عاما استخدمت فيها في أحيان كثيرة أسلوب «التورية»لقراءة ما خلف الجمل و الكلمات في وصف جميل لكل ما حولها حتى تفاصيل طفولتها الهامة المعلقة بذاكرة خصبة تحفظ التفاصيل و تدرك ماهيتها و جوهرها الإنساني  و ربما من هنا جاء عنوان لوحاتها رمزيا فالنار تشتعل في تفاصيل حياتنا لكنها تنطفئ في النهاية و كأنها لم تكن و هي تشبه الأشخاص العابرين أما الشمس مصدر النور فإنها تحتجب  لكنها أبدا لا تغيب فالنور هو كل شيء في الحياة و هي تشبه الأشخاص الخالدين في حياتنا حتى أخر رمق و قد كان مصدر هذا النور في حياة الكاتبة هم والداها و شقيقتها وفاء و ولداها و كيف لا و الإنسان جزء من الطبيعة التي حوله بأشخاصها و أشيائها و تستحق منا حبا أكثر فليس الكون قلقا وعنفا وقصفا وقتلا ... و سيرة حياة الكاتبة فيها نوع خاص من الثقافة و التجربة الإنسانية مع نفسها و أهم الأشخاص الذين تأثرت بهم في حياتها كونها إعلامية متمرسة لكافة أنواع الفنون الصحفية لسنوات طويلة في جريدتي العروبة الحمصية و الوحدة في اللاذقية.

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
بديع سليمان