رحلة في شعر بدر عبود ديب .. قصائــــد حبـرها مداد قلبـه العاشـق للوطـن

العدد: 
15131
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 10, 2018

عندما كنا صغاراً في مرحلة الدراسة الابتدائية , سمعنا باسم الشاعر بدر عبود ديب , أي قبل نصف قرن , في ستينيات القرن الماضي كانت رباح في تلك السنوات تستقطب الطلبة الذين يدرسون بصفة أحرار في مرحلتي الدراسة الاعدادية والثانوية وكان ثمة مدرس للغة العربية شهير وهو شاعر أيضاً اسمه « بدر عبود ديب » غير أنه معروف باسم ( بدر عبود )
ولعل اسم بدر عبود الشاعر ومدرس اللغة العربية ارتبط باسم بلدته ( رباح ) فعندما تذكر رباح يذكر معها ( بدر عبود ) كشاعر له في كل منبر وجود , وفي كل مناسبة حضور حتى لقب قبل  زواجه وقبل أن يرزق بابنه البكر ( تمام ) بأبي تمام وفي عام 1974 خرج بدر عبود على الناس بديوانه ( خمور الأندرين ) وبتقديم الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم صاحب المعلقة الشهيرة التي مطلعها :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحصى فيها
إذا ما الماء خالطها سخينا
عمرو بن كلثوم الذي استحضره بدر عبود ليقدم له ديوانه يبدي اعجاباً بحفيده الشاعر  ويرى بعد خمسة عشر قرناً من زمنه أن الشعر بخير من خلال شعر بدر عبود ..!! ولقد أبكى بدر عبود صاحبه وجدّه وزميله الشاعر عمرو بن كلثوم وقال :
( تعانقنا وكل أعمته دموعه عن صاحبه , ورجعت أطلب لكم الرشاد والوحدة والمنعة ) الإمضاء : عمرو بن كلثوم .
أعاد بدر عبود إصدار ديوانه عام 2010 م ليضم كل شعره مضيفاً إليه ما كتبه بعد عام 1974 حتى عام 2010 م . فكان ديواناً ضخماً قسمه الى خمسة أقسام أربعة أقسام للقصائد والقسم الخامس دراسة أدبية لغوية عن الديوان .
لقد رأى الشاعر الحياة في الريف وعاش فيه .. وهو الريف الجميل البسيط الذي ناسه أشداء وفلاحون مجدون , جعلوا منه شجراً مثمراً وحفروا منازلهم في الجبال والأودية ...
وللجرة الفخارية تاريخ لا يزال حاضراً في الأذهان وتراث يعتز به الناس , وكذلك النبع .. من مفردات القرية والجرة تحملها الصبية لتأتي بالماء من النبع ....وعند النبع حكايا العاشقين يقول :
هززت غصناً كي يشير أنني
في قبضة الحب هنا فاستبشري
فوضعت جرتها والنبع في
ألحانه ساه شجي الوتر
فالغزل هو أحد أغراض الشعر عند بدر عبود كما هو عند الشعراء العرب من أيام امرئ القيس الى امرئ هذا العصر.
وعن الحب الأول , الذي هو حب الروح الذي يترفع عن الشهوات والنزوات نقرأ من قصيدته ( عروس البحر ) :
ونزلت والأمواج في أعراسها
ما بين حالي خائف وأمين
فإذا عروس البحر ترفع أشقر
سرحاً تسدل فوق شهل عيون
ملك يقبلها العباب وجسمها
في الماء نور مثل هالة نور
وله في وصف ( رباح ) قصائد كثيرة فهي بلدة تقع في سفح ( جبل القصير ) يقول في ( جارة النجوم ) :
قريتي جارة النجوم خمائل
رفعتها الجبال فوق الكواهل
هزني النهر بالأناشيد فرداً
ومع النبع صوته المتجادل
جبل يلبس الضياء فتلقاه
صبايا الربيع بين السنابل
وقد عاش الشاعر بدر عبود أحداثاً جساماً فجاء شعره تاريخاً فنياً لتلك الأحداث فعندما جاهر العدو الصهيوني  بنواياه في تحويل نهر الأردن .. هب العرب ومعهم الشعر .. يقول بدر عبود في قصيدة ( نهر المجرة ) :
يا نهر يا دفق الرجولة في شرايين القصيد
يا نهر يا ماء الحياة لو انصببت على الجمود
أنا موجك المشتاق للقدس السجين أو الفريد
يا نهر يا محيي الشهيد من القبور الى الصمود
ومن القسم الرابع نقرأ عدداً من القصائد التي تخلد القائد المؤسس حافظ الأسد .. من قصيدته ( الزمن الوعد ) نقرأ:
يا وافداً من ثنايا الغيب مصطحباً
شمساً يحاربه ليل وأشباح
يا زارع السنوات السود أزمنة
بيضاء فيهن للمحزون أفراح
أمد للشمس باعاً ثم يعجزني
صرح كما شاءه الأجداد طرماح
ويرثي القائد المؤسس بقصيدة تربو على السبعين بيتاً وتحمل عنواناً هو ( بحر الدموع ) ومنها :
يا دهر أرهب ما ترمي به الأجل
هذا المسمى الذي ضاقت به الحيل
يا موت أنت على الأجساد مقتدر
وأنت في عالم الأرواح منخذل
يا أعدل الناس في الدنيا وما عرفت
فذا كأنت بك الأنظار تكتحل
ما مات حافظنا بل ظل حافظنا
فتى شباباً وفي بشاره البدل
أربعمائة صفحة من القطع الكبير .. تضم قصائد الشاعر بدر عبود ديب .. هي تاريخ وأمجاد وبروق ورعود وآمال وأمنيات .
هو صوت الناس الذين يعشقون سورية وبلاد العرب .. صوت الفلاح والعامل والكادح .. صوت العاشق والعاشقة ..
يغني أمجاد العرب ويستشرف مستقبل العرب عبر لغة شفافة وعبارات أنيقة بديعة وخيال خصب مجنح إنه الشاعر بدر عبود ديب ( أبو تمام) .. أمده الله بالعافية وهو يدخل عامه الثالث والثمانين ..!!
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل