الفراغ

العدد: 
15169
التاريخ: 
الأحد, أيلول 9, 2018

“ قل لي ماذا تفعل بوقت فراغك أقل لك من أنت. “
نعم كلّنا نأكل ونشرب وننام ونذهب للعمل ونرتاح ولكن وقت الفراغ هي اللحظات التي نشتغل فيها على بناء ذاتنا فنحن ما نبني أنفسنا في هذا الوقت ... وهنا يظهر الاختلاف فمنّا من ينام بوقت فراغه ومنّا من يذهب لزيارة الأصدقاء ومنّا من يتابع التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي ومنا من يقرأ ويُثري ذائقته الفنية والأدبية وإحساسه بالجمال والمتعة  لذلك أنت ما تُركز عليه في وقت فراغك فما هو وقت الفراغ .. هو ذلك الوقت الموجود وغير موجود .. ذلك الإحساس بالوقت أو عدم الإحساس به ..هو ذلك الغول الذي يأكل أعماقنا فلا نجده في خارج عالمنا بل هو يقبع فقط في داخلنا..
ذلك التساؤل الذي يخرج فجأة ( أيضاً .. ماذا بعد ..؟؟ أو إلى أين وصلت ؟؟ وهل وصلت ؟؟ نعم الفراغ هو اللحظة التي نتساءل بها أين وصلنا وهل وصلنا أصلا هو لحظة الحيرة التي نستطيع من خلالها أن نشدّ الأحزمة أو نغيّر ما بدأنا به أو حتى نرسم خططا إذا شئنا أو نترك الأمور هي التي تُسيرنا ؟؟!!
كيف ؟كيف يسيطر عليك الفراغ بمعنى هل أنت تقضي الوقت أم تقضي على الوقت !!؟؟
وهنا أتذكر مقولة أنقذتني في أحد الفترات لأحد القادة العسكريين لم اعد اذكر اسمه تقول  ( في نفسك البشرية خنادق .. إذا لم تحتلها أنت احتلها العدو ) والعدو هنا يمكن أن يكون أيّة فكرة سلبية أو أي صديق سيء أو أي تصرف رديء وهنا يجب أن ننتبه ولا نقع فريسة هذا الفراغ الداخلي وعلينا أن نشغله حالاً بأشياء تدفعنا إلى الأعلى بدلاً من أن نكون وجبة نهمة لأفكار الآخرين أو حتى أفكار سوداء تقضّ مضاجعنا وتؤرق نومنا وتعيث  فساداً بقبّة رأسنا .
إذا المشكلة ليست الفراغ بل كيف ندير هذا الفراغ .. !!؟ في داخلنا أحلام نائمة ومواهب يجب أن نشتغل عليها كلّها تستيقظ في الفراغ وتنكأ رأسنا وتجري في دمنا !! ..في داخلنا أجنحة تريد التحليق والطيران ولكن لأنّنا كسالى ولا نستخدمها تؤلمنا على سبيل الانتقام  فالكثير منا يعتقد انه بالعمل سيصل إلى السعادة وبالتقليل من وقت الفراغ يستطيع أن يتطور ويرتقي ولكن ما إن يصل أول درجات النجاح حتى يشعر أنه لم يحقق السعادة ولابد من خطوة أعلى ويكمل العمل والعمل والركض ولكن يعود ليتساءل أيضا درجة أخرى ولم أشعر بالسعادة أين هي !!؟؟ يخرج هذا السؤال ليدور في رأسه ويشعر تماما انه مثل سيزف الذي يدحرج الصخرة إلى أعلى الجبل طوال اليوم ويصل إلى القمة كل يوم وفي اليوم الثاني يستيقظ ليجد الإله قد أعادها إلى الأسفل وعليه اليوم أن يعيد الكره مرة ثانية .. كلّنا مثل سيزف هذا الإنسان الذي غضبت عليه الآلهة
نعمل ونعمل ونبحث عن المتعة ولكن عبثاً يمضي الوقت وهو يقضي علينا بوهم أننا نقضي عليه .
لماذا ؟ القصّة هي أنّنا لم نكتشف أخطاءنا ولم نعترف بها فقط نحن آلة تكريرالأخطاء ونفس والنتيجة نفسها .. وتكون مشكلتنا هي عدم مقدرتنا على مواجهة أخطائنا أو حتى الاعتراف بها وهو ما سيكون نصف الحلّ إذا ما قمنا به  فالفراغ ليس قتل الفراغ بل هو إدارة ما وصلنا إليه هو فرصة للتنفيس عن طاقاتنا وعن هويتنا واكتشاف ذاتنا من أجل معرفة حقيقة ما نريد وما نحب وما لا نحب !!
الفراغ هو فرصة أن نراقب أنفسنا ونعاقب ذواتنا ونفهم ما قمنا به ونصححه أو نثني عليه أي باختصار ( أن نعبر من داخلنا إلى خارجنا وليس من الخارج إلى الداخل )
ونجد الحلّ قبل أن نتحول إلى بقايا أصنام ذهنية تسيطر على أفكارنا فالعقل ليس بحاجة إلى تأسيس جيد ولكن هو بحاجة إلى تأثيث جيد , والفراغ هو التخلّص من كلّ ما هو قديم ومنته الصلاحية في داخلنا والعمل على تجديد هواء داخلنا وأثاث أعماقنا حتى نُقبل على الحياة أكثر إشراقا وحباً وأملاً .
الفراغ هو عدم السماح لأفكار الآخرين أن تعبر عقولنا لأن عقولنا مملوءة بأفكارنا وعدم السماح لأيّة فكرة غير لائقة بأن تتصدر حياتنا وتقود هذه الحياة .. إذاً فلنملأ فراغنا قبل أن يملؤه الآخرون ولنكن نحن الهدف قبل أن نصبح وقوداً لأهداف الآخرين !!!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عفاف الخليل