الياس قنصل ...و الحنين إلى الوطن

العدد: 
12263
يعتبر الياس قنصل أحد شعراء المهجر الجنوبي وأدبائه المشهورين 00 وقد عرف بغزارة انتاجه الأدبي وتنوعه ما بين الشعر والقصة والدراسة الأدبية ,

هذا بالاضافة إلى أنه كان يملك قلباً طيباً , وقدرة على الصراحة في القول وكرم النفس وسعة الأفق ولد الياس قنصل في بلدة يبرود السورية في 13 نيسان من عام 1914 , وقد رحل مع والده إلى البرازيل وكان عمره سنتين , فتعلم اللغة العربية هناك ثم عاد إلى بلدتهما بعد أربع سنوات , حيث دخل الياس المدرسة الابتدائية فيها , ثم ما لبث أن هاجر إلى الارجنتين وقد عمل في البرازيل مستخدماً في محل تجاري بأجر زهيد , وكان ينفق معظم اجره على شراء الكتب العربية , ثم حمل الكشة وتاجر بها بعد ان تركه والده في البرازيل عائداً إلى أرض الوطن لمدة قصيرة 000 بعد ذلك قفل الأب راجعاً إلى البرازيل مع ابنه زكي 000 لينتقل الثلاثة إلى الارجنتين عام 1928‏

استهوى الأدب الياس فعمل محرراً في الجريدة السورية اللبنانية وبعد شهرين تسلم رئاسة تحريرها لمدة سبعة أعوام وفي عام 1937 أصدر مجلة ( المناهل ) الشهرية التي دام صدورها ثلاثة أعوام بعد ذلك احتجبت المجلة بسبب تفرغ صاحبها للعمل التجاري , ولنظم الشعر وكتابة المقالات والقصص ونشرها في مختلف المجلات العربية ومجلات المهجر 0000 حيث انتج ما بين عامي 1931 و 1955 أحد عشر مؤلفاً تنوعت ما بين الشعر والقصة والرواية والنقد 0‏

امتازت هذه المرحلة من حياة الياس قنصل بغزارة الانتاج وكان متتبعاً لاخبار الوطن العربي وبلده سورية 00 وقد كتب الكثير من القصائد التي تمجد بطولات الثوار الذين كانوا يحاربون المستعمر الفرنسي وخاصة ثوار الثورة السورية الكبرى عام 1925 , وقد منحت الحكومة الوطنية بدمشق الشاعر الياس قنصل وسام الاستحقاق تقديراً لاسهامه بشعره القومي في النضال ضد المستعمر وذلك عام 1936 0‏

في المهجر كان الشوق يحمل الياس قنصل إلى الوطن وفضاءاته الممتدة وكثيراً ما كتب شعراً يقطر منه الحنين... هذا الحنين الذي جعله يقرر العودة إلى سورية ليعيش بقية عمره فيها وبالفعل عاد عام 1955 وامضى فيها وفي البلاد العربية سائحاً مدة ثلاث سنوات 000 لكنه ما لبث أن عاد إلى الارجنتين بعد أن فشل في تأمين متطلبات عيشه من عمله الفكري الذي كان حصيلته ( رباعيات قنصل ) شعراً وثلاث قصص واصدار مجلة ( الفنون ) التي لم يصدر منها سوى عددان ثم حجبها بعد عودته إلى المهجر 0‏

بعد هذه الفترة الحافلة التفت الياس قنصل إلى الأدب الاسباني اذ كتب عدداً من المقالات باللغة الاسبانية تحدث فيها عن القومية العربية والتاريخ العربي وجبران خليل جبران وتشهد هذه الفترة صدور عناوين كتب اربعة نشرها بالاسبانية 000 لكن رغم التفاته للأدب الأسباني لم يتوقف عن كتابة الشعر والقصة والمقالات باللغة العربية بالاضافة إلى كتابيه عن ( أدب المغتربين ) و ( مأساة الحرف العربي في المهاجر الأمريكية )‏

كما تميزت هذه الفترة بأربع زيارات للوطن الأم قام بها شاعرنا خلال الأعوام التالية ,1976 1978 , 1979 , 1980 كما زار ليبيا عام 1976 والعراق عام 1979 بدعوة من حكومة هذين البلدين 000 وأثناء تواجده في سورية لقي اهتماماً كبيراً من قبل وزارتي الاعلام والثقافة واتحاد الكتاب العرب الذي انتخب عضواً فيه 000 وقد قام الاتحاد بنشر كتابيه الأخيرين قبل أن يأخذه الموت اثر عملية جراحية غير ناجحة عاش بعدها خمسة عشر يوماً ثم توفي في 20/3/1981 تاركاً خلفه حوالي خمسين كتاباً باللغة العربية مخطوط ومطبوع , واربعة كتب باللغة الاسبانية أحدها عن جبران خليل جبران حياته وآثاره 0‏

قلنا إن الحنين كان سمة من سمات شعره , وكم كانت سعادته بالغة كلما عاد إلى الوطن 000 وأجمل ما في شعره وصف ذكريات طفولته الحلوة اذا ما قيست بالحياة المادية القاسية في أرض المهجر يقول :‏

صبياً يعد الزهر زينة لهوه ويعتبر الأرواح نوعاً من الدمى‏

ويدرك من شدو الطيور مرامها وتدرك ما منه ابتغى ان تكلما‏

يجوب كما يهوى معالم قرية عليها سلام القلب والعقل قيما تفاهم أهلوها فكانوا قبيلة تؤلف من معنى التساهل معجما‏

و,يصل به الشوق طالباً الحرية من ذاك الجو الشاق والمتعب إلى حيث الحقل وملاعب الصبا :‏

متى ينتهي أسري وتنفك شدتي وأترك جواً بالمشقات مفعما فأصرف في الحقل الذي كان ملعبي بقية عمر بالعراك تصرما‏

ويعتبر تراب بلده مقدساً لأنه يضم بقايا الأجداد الذين صنعوا تاريخنا وحضارة بلادنا ورفعوا الرايات عالياً‏

هذا التراب مقدس ذراته دفقات مجد زاخر مترامي‏

فيه بقايا الناشرين على الورى خير العلوم وأنبل الأعلام‏

وكثيراً ما ذكر الخصال العربية التي تحلى بها ابطالنا إلى جانب الشجاعة يقول في صلاح الدين الأيوبي :‏

أسأل صلاح الدين يوم تجمعت عصب إلى شرب الدماء ظوامي‏

خبر الفرنجة منه ما العربي في كرم الخصال وساحة الصمصام‏

ولم يقتصر الياس قنصل شعره على الحنين والأغراض الوطنية , وإنما نظم في أغراض مختلفة , وخص ديوانه » بسمات الفجر « بقصائد ذات موضوعات متنوعة , كما أن رباعياته اشتملت على موضوعات اجتماعية وحكمة وفلسفة ووصف ونقد وفي ديوانه » الحان الغروب « نلمس قصائد كثيرة في هذه الموضوعات‏

ففي ديوانه » بسمات الفجر « خمسون مقطوعة شعرية مهداة إلى حبيبة جميلة حولت حياته إلى الفة وشروق :‏

أنت أبلجت لي بحبك صبحا‏

وظلام الخطوب حولي حالك‏

فإلى نفسك الجميلة أهدي‏

باقة بها عبقة من جمالك‏

كما نلمح جوانب الحكمة في شعره والتي تظهر في هذه المقطوعة التي يقول فيها مؤكداً أن لغة الصمت هي الأقوى :‏

إن للصمت بياناً لا يضاهيه بيان‏

ليس إلا العرض التافه ما يبدي اللسان‏

واللباب الصرف يبقى خافياً طي الجنان‏

فاجعل الجوهر قولاً بسكوتك‏

هذا شيء قليل عن شاعر يستحق أن يكتب عنه الكثير لأنه أسهم في نتاجه الأدبي الشعري والنثري إسهامات كبيرة في فكر رأى النور في المهجر وكانت له تطلعاته ورؤاه التي تخدم قضايا الوطن الأم 0‏

المصدر :‏

- الياس قنصل الشاعر والكاتب والانسان العربي فريد جحا‏

الفئة: