المنفى السياسي في الرواية العربية

العدد: 
14332
التاريخ: 
الأربعاء, آذار 25, 2015
لعلّ الدراسة النقدية التي أصدرها الأديب مراد كاسوحة ، جديدة في موضوعها وطريقة معالجتها للرواية التي اتخذت من المنفى السياسي موضوعاً لها ، أساسياً ، فهو قد درس ثلاث روايات واحدة للروائي حيدر حيدر وهي " وليمة لأعشاب البحر " كما درس روايتين لحنا مينة هما " الثلج ياتي من النافذة " و" ربيع وخريف " . وفي إحدى حواراته أشاد الكاتب الكبير حنّا مينة بالدراسة ، وهذه شهادة لصالح الناقد مراد كاسوحة .

يرى كاسوحة أنّ عملية أي عمل روائي تكمن في بعده الإنساني المنطلق من خصوصيته ، فإذا كان الحدث الروائي يجري في زمان ومكان محددين ، فإنه لا يكتسب أهميته إلا بما يتضمنه من رؤية عامة للبعد الإنساني المنطلق من دلالة الإطار المحلي أو القومي . فتجاوز الزمان والمكان أمر لابد منه من اجل اكتساب العمل الروائي أهميته المعرفية والفنية ودراسة مراد كاسوحة ليست مقارنة بين كاتبين روائيين هما حيدر حيدر وحنا مينة ، على الرغم من أهمية الدراسة المقارنة ، وإنما رصدت موضوع الغربة والاغتراب في رواية لحيدر وروايتين لمينة ومحاولة تقييم كل عمل على حده من خلال معالجته موضوع المنفى السياسي . فالروايات الثلاث تطرقت لموضوع واحد هو حالة المعاناة التي يعيشها المناضل السياسي خارج وطنه برغبة منه أو رغماً عنه . فالمنفى يكون أحياناً ، اختيارياً أو يكون إجبارياً . فالغربة وما نشأ عنها من اغتراب هما موضوع هذه الدراسة ومضمون توجهها .‏

إن دائرة الاغتراب تتسع باستمرار لتشمل الملايين الذين يعانون ظروفاً حياتية سيئة ، في معمعة الصراع بين قوى الشر والعدوان وقوى الخير والإنسانية . وأسلوب القصّ الروائي عند الكاتبين حيدر ومينة جاء على شكل ملحمة تاريخية طويلة .. فالمضامين الاجتماعية والسياسية والفنية لهذه الأعمال الثلاثة تتشابه في الموضوع وتختلف في الأسلوب .‏

وشخوص الرواية هم امتداد بل وظلال أدبية مباشرة أو غير مباشرة للكاتب ، فإن كلاً من هؤلاء يعطينا مشهداً حيّاً عن الرؤية الإيديولوجية والفنية التي تحكم توجه الكاتب – الفنان الذي صاغ هذه الشخصية الأدبية أو تلك ، وعن مدى التحامه الواعي بالقضايا الملحة التي تناولها في عمله الأدبي ، ودرجة معرفته بها ، لأن معرفة الواقع هي الأساس في تغييره .‏

من يقرأ رواية " وليمة لأعشاب البحر " التي جلبت شهرة عظيمة لمؤلفها حيدر حيدر يدرك أنه أمام عمل متميز في عالم الرواية العربية المعاصرة ، فهو يحول الكلمة إلى سلاح من أجل الدفاع عن الإنسان وكرامته ووطنه .‏

وتبقى رواية " الثلج يأتي من النافذة " لحنا مينة محاكاة صادقة وأمينة للواقع في مرحلة تاريخية معينة عاشها بطل الرواية " فياض " خارج وطنه . لكنها ، كما يرى كاسوحة ، تفتقر إلى التشويق الروائي والتخييل الأدبي عكس روايات مينة الأخرى .‏

أما رواية " الربيع والخريف " لمينة فهي امتداد فني وايديولوجي لرواية " الثلج يأتي من النافذة " . فقد بقيت الرواية لاهثة وراء الواقع ولم تستطع مواكبته ، فهي رواية الموقف الدعائي السياسي أكثر مما هي رواية الهدف السياسي .‏

لعلّ هذه الدراسة كرّست مراد كاسوحة ، ناقداً أدبياً ، يمتلك الثقافة والوعي وعنصر التحليل . والكتاب له شهرته في الحركة النقدية الأدبية في سورية .‏

الفئة: 
الكاتب: 
عيسى اسماعيل