ملامح أسطورية للبطل ...في رواية بذور الشيطان!!!

العدد: 
14414

الأديبة لينا كيلاني كاتبة، قاصة وروائية وكاتبة مقالة ، وهي من رائدات أدب الخيال العلمي في سورية والوطن العربي، ولدت الأديبة لينا كيلاني في دمشق وعملت لدى جامعة الدول العربية حتى عام1990 ثم تفرَّغت للعمل الأدبي منذ عام 1992، بدأت بنشر قصصها منذ عام1976 في جريدة تشرين والثورة والبعث. غزيرة الإنتاج جداً وربما تكون قد حطمت الرقم القياسي بالنسبة لعدد الكتب التي أصدرتها ، فقد بلغ عدد كتبها المطبوعة حتى عام 2011 أكثر من 138 كتاباً ما بين قصص أطفال وقصص للكبار ودراسات وأبحاث...الخ. في عام 1989أصدرت ستة كتب للأطفال(مغامرات الكلب فوفو- الضفدع روغ-أخي محمد-الخبز المر-فارس الشجاع-أنا عربي) ، ومازالت تكتب المقالة في جريدة الثورة إضافة لإصدارات كتبها والكتاب الذي بين أيدينا هو روايتها التي صدرت سابقاً ضمن سلسلة كتاب الهلال، وهو قد صدر بطبعته الجديدة عن مجلة الأدب العلمي إنها رواية (بذور الشيطان).

*عنوان الرواية...هل يُنَفِّر أم يجذب!!!

ربما يبتعد بعض القرَّاء عن اقتناء بعض الكتب مجرَّد أن يقرؤوا عنوانها وخاصَّة إذا كانت مساحة الخيارات لديهم تنحصر في دوائر محدَّدة المواصفات ولا يسمحوا لهذه الدوائر بالانفراج على خيارات جديدة، فإن كانت دوائرهم هذه تنحصر في العوالم الرومانسية من الأدب فهم بلا شك سينفرون من عنوان الرواية التي بين أيدينا(بذور الشيطان)، أما لو كانت مساحات خياراتهم مفتوحة على الأفق كله فهم سيسارعون إلى اقتناء الرواية هذه وقراءتها بِنَهَم.

عنوان الرواية هذه، مثير جداً للتفكير وجاذب للقراء(عشاق القراءة بلا حدود)، فهو يعلن أن للشيطان أبناء على وشك الولادة من بذور، ولكنَّ البذور مرتبطة بالنباتات!!! فما القصة إذاً؟!!!

هذا التساؤل بحد ذاته سيدفع القارئ لفتح دفتي الكتاب ليأتي بِنَهَم على ما بينهما ودون توقف.

*البطل يتسربل بملامح أسطورية!!! 

كما كان أبطال الأساطير القديمة يسيرون نحو تحقق أقدارهم دون أن يلتفتوا وراءهم سواء بإرادتهم وعدم اكتراثهم لأقوال العرَّافات أو رغماً عنهم بعد أن يفعلوا كل ما باستطاعتهم ليغيروا الأقدار التي نبَّأتهم بها عرَّافات بلدانهم، معتقدين أنهم تمكنوا فعلاً من تغيير وجهة شراع سفينة القدر، ولكن مسار الأسطورة ينفرج عن تحقق أقوال العرافات بحذافيرها رغم كل ما اتخذه الأبطال من احتياطات. وكلنا نعرف (أسطورة أوديب الذي عمل والده كل ما بوسعه حين أرسله رضيعاً مع أحد جنوده ليقتله ويرمي به في متاهات البلاد، ولكن الجندي يشفق على الطفل فيتركه على الأرض الفلاة ويعود مطمئناً الملك والد أوديب أن طفله قد قُتِل، وتشاء الأقدار أن يأخذه راعٍ ويربيه مع عائلته ويكبر أوديب ويصبح شاباً ويلتقي الملك(والده) وهو في رحلة صيد(مُتَنكراً) وينشأ صراع بينهما وتتحقق نبوءة العرافة حيث يقتل أوديب أباه الملك.)

أما بطل هذه الرواية فهو يندفع وراء قدره دون محاولة الالتفات للوراء رغم أن هناك نداءات كثيرة كانت تصله مُحَاولةً تنبيهه لما يخفيه له الزمن القادم. فهو لم يستجب لمشاعره تجاه نداء (ميريام) ابنة صاحب المزرعة حيث يعيش رغم أن والدها هو صاحب المؤسسة التي أرسلته في رحلته هذه ليتمم التجارب والأبحاث المقررة، حاولت (ميريام ) تحذيره من عواقب سفره دون جدوى، ص17(انسحبت فور انتهاء الوجبة بعد أن اقتربت مني وهمست لي :

-أرجو أن تُعْلِمْني هاتفياً قبل سفرك..هناك أمور مهمة أريد أن أحدثك بها.

وللأسف ..لم أتصل بها واكتفيت بإرسال تحية مع والدها..لماذا لم أفعل؟ هذا ما أجهله..لعلها كانت ستقول لي أشياء مهمة..أو ربما أفضت لي بسر..ولكن هذه هي الأقدار التي تتحكم بالناس لتقودهم إلى نتائج لم يكونوا يتوقعونها.)، وتكررت محاولات (ميريام )لإيصال رسالتها المُحَذِرة له لكن دون جدوى لأنه لم يستجب لهذه النداءات، حيث جرى يوم سفره هذا الحديث بينهما:ص26( وخفضت صوتها، وأضافت:

-لماذا لم تكلمني؟..حاول ذلك من مكانك هناك في ذاك البلد المجهول.

قلت:- ما أظن أن الاتصالات متاحة بهذه السهولة..إنه بلد مدمر نتيجة الحروب..وليس متقدما إلى هذا الحد.

قالت:- إذن ..ابعث لي برسالة إلى المدرسة مع عنوانك ورقم الهاتف لو كان متاحاً.). وغادر (فرانك) بطل الرواية، وهو لا يدري ما تحمله له الأقدار، مُعتَقِداً أنه يحمل رسالة نبيلة لبلد متخلف فقير(أفغانستان) وأنه سيسهم في تطوره ويقدم الخير لسكانه، ص32( نظر إلي بفضول وبشوق لأن يسمع أكثر مما سمعه، فقلت:

-أنا خبير زراعي..جئت في مهمة إنمائية ولا أدري كم سيستغرق ذلك من الوقت.). لكن هذا البطل الذي يتسربل بملامح أسطورية يكتشف فعلاً حقيقة مهمته بعد وصوله (أفغانستان) واكتشافه حقيقة ما ستقدمه التجارب التي يجريها فريق العلماء والباحثين الذين يعمل معهم، ص82(تسارعت نبضات قلبي وأنا أقرأ تلك السطور..لكنني أوشكت على الإغماء عندما قرأت عبارات طبعت بحروف غليظة قاتمة اللون تقول:" بفضل تقنية انتحار النبات هذه وقتله لأجنته التي في داخله سوف يقع أمن العالم الغذائي في أيدينا...لقد أصبح بإمكاننا إدخال جينات بشرية وحيوانية إلى النباتات ..ولم يبق سوى أن نرى تأثير إبداعاتنا على البشر في أماكن بعيدة عنا"). وحينها قرر البطل(فرانك)- الذي يتصف بالنبل والمحبة والطيبة وكل الصفات الإيجابية- أن يعمل بكل استطاعته لتدمير النباتات التي نتجت في الحقل الواسع من الأرض حيث طُبِّقَت تجربة زراعة (البذور القادمة من أمريكة، هذه البذور التي أُدخِلَت عليها جينات حيوانية أو بشرية وسُقيتْ بمحاليل خاصَّة أضيفت لمياه السقاية). وفعلاً يتمكن هذا البطل(الذي يتسربل بملامح أسطورية- حيث الرغبة العارمة بإنقاذ القبيلة التي سيأكل أفرادها من إنتاج هذا الحقل وبالتالي ستطرأ عليهم آثاراً وخيمة)، حقاً يتوفر لهذا البطل الصديق الوفي الذي هو من بلد جار لأفغانستان ويتمكن بالتعاون معه من تدمير الحقل حيث نبتت البذور ذات الجينات الحيوانية(بذور الشيطان- كما أسماها بطل الرواية ،فرانك)، وبذلك ينقذ هؤلاء البسطاء الطيبين من عواقب تناول هذه المنتجات الشيطانية. طبعاً سيتمكن من فعل ذلك!!!أليس متسربلاً بالأسطورة منذ بداية الرواية.

*رواية خيال علمي بامتياز :                                             

رواية(بذور الشيطان) رواية خيال علمي بامتياز فهي قد حققت كل ما يستلزم البناء الروائي من زمان ومكان وعلاقتهما الوطيدة مع الشخوص الذي اتخذت ملامحهم وحواراتهم مواصفات المكان والزمان بما يجعل بناء الرواية قوياً متماسكاً وهذا ما يجعلنا ننجذب لتفاصيل الرواية ونلاحقها حتى آخر خيط من حبكتها، أما فيما يتعلق بالعلم فجوهر الرواية(زراعة البذور التي أنتجتها تجارب إدخال الجينات الحيوانية أو البشرية على النباتات)، أما الخيال(فهو ما تم وصفه من نتائج هذه الزراعة لهذه البذور التي سماها فرانك "بذور الشيطان") ص138(وما إن وطئت أقدامي متراً واحداً من الحقل حتى لمحت شيئاً غريباً وكأنها رأس حصان دون عنق يتدلى فوق الأرض. جمعت شجاعتي وأصدرت صوتاً لعله يتحرَّك نحوي ولكن دون فائدة..اقتربت فوجدت نبات بطيخ قد طرح بطيخة ذات لون أقرب إلى السواد فوق ساق غليظة لا تُعرَف لنبات البطيخ. شعرت بالدم يجمد في عروقي ما هذا؟! نبات له خصائص جديدة ليست لما عرف لفصيلته فسوق نبات البطيخ هي نحيلة عادة. تحركت بحذر شديد فإذا بأغصان متينة وقوية وطويلة وفي نهايتها حبات كبيرة تشبه في شكلها الفاصولياء..وهي تتمايل دون أن يهزها أحد....يا لتلك الحزم من نباتات غزيرة لم أعرف نوعها لأنها تشابكت بعضها في نمو طائش وغير اعتيادي. وتساءلت أين تلك الجزرة التي بدت لي مثل لسان بشري؟ نظرت حولي في الحقل وأقدامي مسمرة وكأنني لا أريد أن أتجول فيه حتى بدت لي أوراق داكنة كبيرة الحجم ...أما النبات الذي بدا لي مثل أصابع يد فقد تضخم بأضعاف حجمه..ولما لامسته انفجر بسائل لزج كثيف..ولكن ما أدخل الرعب الفظيع إلي فهو تلك الحبات من الطماطم التي بدت مثل بطون منتفخة..بعضها قد أفرغ ما في جوفه وبعضها ازداد انتفاخاً.).

إذاً تحققت كل معالم رواية الخيال العلمي في هذه الرواية التي بين أيدينا والتي قرأناها واستمتعنا جداً بكل ما فيها من تفاصيل ومن لغة بسيطة جميلة تتناسب مع طبيعة الشخوص المتحاورة.

وقد وصلت الرسالة للقارئ حيث الرواية تُحَذِّر بقوة من الاستعمار الأميركي الذي ما إن خرج من أفغانستان بجيوشه حتى عاد عبر ما يدَّعي أنها بعثات علمية هدفها تطوير الزراعة وإجراء البحوث وفي حقيقة الأمر هو يستغل هذه البلاد لتكون حقول تجارب ربما تضاهي خطورتها على سكان البلاد خطورة التجارب النووية ونتائجها الوخيمة إذا تعرَّض لها الإنسان. وتحذير موازٍ من إجراء تجارب لها مدلولات ونتائج مدمرة على الإنسان أينما كان.

*الكتاب: رواية (بذور الشيطان)

*المؤلفة: لينا كيلاني

*الناشر: وزارة التعليم العالي-جامعة دمشق-الأدب العلمي

*تاريخ الإصدار: 2015         

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
ابتسام نصر الصالح

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة