الروائي والقاص العراقي : أحمد خلف ..عصا الجنون ... قصص عن القهر والوجع المر

العدد: 
14777
التاريخ: 
الأربعاء, كانون الثاني 11, 2017

في المعرض الدولي للكتاب معرض مكتبة الأسد الأخير في دمشق , لفتني وجود مجموعة قصصية للروائي والقاص العراقي : أحمد خلف , تحمل عنوان : ( عصا الجنون ) اشتريت المجموعة , السبب الرئيس هو أنني سبق لي وقرأت بعض القصص القصيرة للمؤلف في بعض الصحف و الدوريات العربية  وأردت أن أقرأ له المزيد.

في مجموعته ( عصا الجنون ) الصادرة عن دار ( ميزوبوتاميا ) في بغداد – الطبعة الأولى عام  2015تقع المجموعة في  169صفحة من القطع الكبير وضمت بين دفتيها 23قصة قصيرة وقصص قصيرة جدا ,من عناوين المجموعة امرأة ذات شأن , اجتياز العتبة , شمس ساطعة كالفضة , عصا الجنون , الطاووس , كاتم الصوت , البرابرة قادمون , ابواب وممرات رجل القارب , الخ .

في مجموعة عصا الجنون , سنجد ذاتنا أمام مجموعة تختلف إلى حد لافت للانتباه جدا ,عن عدة أساليب وطرق ومدارس ألفناها في فن القص هذا الفن الصعب والجميل , لغة شفافة خاصة , تنتمي لمدارس فن القص الحديث , السرد والتكنيك العالي واللعب على اللغة بمهارة المتمكن من أدواته القصصية , يضاف لذلك تلك الشيفرة الغير مستعصية على من أراد الولوج لمتن وعمق القصة التي يكتبها أحمد خلف .

في هذه المجموعة القصصية ,يستخدم القاص طريقة خاصة في سرده القصصي , حيث نجد أن روح الروائي تنسل أحيانا في بعض المشاهد القصصية لتبرز قليلا وأحيانا كثيرة سنجد ان لغة القص هي السمة الأبرز في المجموعة ,وهو تكنيك ينم عن ذكاء ومقدرة في اللعب الجميل على النص .

 شخصيات أحمد خلف , وان كانت تنتمي للواقع وهي ليست مستوردة من المريخ , شخصيات من لحم ودم  , بيد انها شخصيات بلا أسماء , وهذا الأمر غير مألوف عند العدد الأكبر من القصاصين العرب , - وجدت ذلك في مجموعة د. أنطوان أبو زيد , في مجموعته القصصية , زهرة المانغو –

على أية حال إذا كانت شخصيات مجموعة : ( عصا الجنون ) بلا أسماء هذا لا يعني أنها بلا ملامح وبدون هوية , أوغير فاعلة أوغير موظفة بدارية العارف لها , أقصد مبدعها أحمد خلف , بل هي شخصيات بعيدة عن الأنا الفردية منتمية للأنا الجمعية , هي  شخصيات تنتمي لواقع مرير مكسور وجريح ومطعون في الصميم , شخصيات تتجرع قسوة القدر والظروف منبثقة من بيئة العراق , ومن حزن العراق الذي لايشبه أي حزن عربي , هي شخصيات منبثقة من قلب المجتمع الذي تنتمي إليه , وتتفاعل معه وتعبر عنه بكل صدق ومرارة , في معظمها يكون القاص هو المتحدث باسم بطل القصة , ولا يحمله وعيه لبطل قصته بل يتركه يتصرف ويقول مقولته , بما يخدم فكرة القصة أو ما ترمي إليه , يضاف إلى ذلك أنه ليس دكتاتوراً  يمارس وعيه المعرفي على بطل قصته , هو إذا لايحمّل وعيه ببعده الفكري والحياتي لشخصية هي من الشخصيات المسحوقة والمغلوب على أمرها , وهو أيضا ليس ذاك المتساهل مع أبطاله , انه يمارس تقنية العدل , وهمه الأبرز تقديم الفكرة الأساسية لقصته التي يرويها لنا , وهو متصالح مع أبطاله تماما , هذا ما بدا لي في هذه المجموعة

قصص هذه المجموعة بكليتها مكتوبة بلغة  قصصية فيها الكثير من التفرد والتميز , وذاك الانزياح اللغوي المدروس بحرفنة المتمرس والعارف , من حيث المفردة وبناء الجملة ,وبنية النص عموماً .

هي لغة غير استعراضية وليست شاعرية تنأى بالنص القصصي عن هدفه , وتدخل القارئ بمتاهة البحث عن الحدث القصصي وسيرورته , أنها لغة أحمد ذاته تلك اللغة المنتمية لقاموسه اللغوي الخاص به  .

تلك اللغة التي أجزم أن القارئ اللماح سيتعرف عليها فيما لو عقد شراكة مع النص , أليس القارئ الذكي شريكا للمبدع ؟  . السمة العامة لهذه القصص وهي الأهم أنها تنتمي بالدرجة الأولى لمجتمعها , مجتمع العراق وقصص العراق وما حدث وما يحدث للعراق , هي قصص طغى عليها الترميز أي يمكننا القول أنها قصص رمزية , وقصص استخدم فيها القاص السوريالية والغرابة , قليل من الواقعية كثير من الفانتازيا  , دون ان تدخل ضمن إطار الطلسمة .

في قصته : ( عصا الجنون – ص82 ), التي تتحدث بطريقة رمزية سريالية  تعي ماترويه عن غزو العراق , لكن على طريقة أحمد خلف .

: " لاذ الناس بالفرار لما تقدمت مصفحة أجنبية  , يا للمدينة المستباحة المنتهكة , وأشار الجندي الرابض فوق المصفحة بيده على المارة : - تفرقوا يا أولاد الهرمة  وكان يرطن بلغة أشبه بالعويل , أو انثيال الرمل على الرأس . ص 83 .

برأيي اعتقد أنها إشارة إلى أول دبابة أميركية اخترقت خاصرة بغداد .

في قصة الطاووس: ص 98 ,هي الأكثر وجعا ونزفا وألما عما تعرض له العراق من خراب ودمار , وثمة توظيف للطاووس ومحاولة لأنسنته  وترميز الطاووس وهو الرمز الأكثر دلالة على غطرسة الأمريكي الذي غزا العراق  .

على حين أن قصة ( خارج الطوق ) ص 66الشيقة فيها مايشبه السيرة الذاتية لأحمد خلف .

يباغتنا القاص في نهاية قصصه بتلك الخواتيم الغير متوقعة ,هي نهاية مفتوحة . وفي نهاية المجموعة ثمة قصص قصيرة جدا , أيضا هي متفردة , مجموعة عصا الجنون جديرة بالاهتمام وبوقفات أطول  وهي تقرأ بكثير من الشغف

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
أحمد عساف