الـنــاعــم فــي ديــوانــه لكعبــة الجـنــــوب مـــن يطــأ أرضـــاً محروقـــة لا بد أن تعــلــق بأقـــدامــــه آثار ذلك الــحريــــق

العدد: 
14834
التاريخ: 
الثلاثاء, نيسان 4, 2017

في الإهداء كتب الأستاذ الشاعر عبد الكريم الناعم بضع كلمات مقدماً فيه مجموعته الشعرية التي أسماها “ لكعبة الجنوب ” وفيها قال  “ الكعبة المواجهة التي لا تختلف فيها ”.. عبر هذه الكلمات يحدد الشاعر بوصلة مجموعته التي حفلت بحوالي ثلاث وعشرين قصيدة تحمل موضوعاً واحداً هو المقاومة سواء كانت في بيروت أم في فلسطين أم في العراق ، وهو أي الشاعر نراه منسجماً مع ذاته حين يعبر صراحة عن ذلك الهم الوطني الذي لمسناه ليس مجدداً بل منذ زمن طويل حين بدأ يتلمس أبجدية الحروف التي تشرب منها ذلك الهم الذي ما زال يرافقه إلى الآن .
لكعبة الجنوب مجموعة شعرية صدرت عن الهيئة السورية للكتاب وفيها يتوقف الشاعر عند العنوان الذي اختاره لمجموعته ، ولعل العنوان ، كما في بقية مجموعاته الشعرية يشكل هاجساً عند الشاعر فنراه يقدم الأسباب التي دفعته لاختيار هذا العنوان لمجموعته التي حملت الكثير من البوح والكثير من الرؤى والأفكار وأساليب التعبير التي تشكل بصمة واضحة في طريقة التعبير ، فـ ـ«عبد الكريم الناعم» نراه في معظم قصائده يبحث وراء الإدهاش ويجتهد في تقديم قصيدة لا يمكن لغيره أن يكتبها بذات الأسلوب ، وبذات النكهة التي ألفها والفنا قراءتها عند الناعم . يقول الناعم أن هناك قصائد لاعلاقة لها بالجنوب كجغرافيا ، والجنوب عنده وفي تلك المجموعة روح كل مقاومة ، من قبل ومن بعد ، والجنوب بما أنجزه (كعبة ) تطوف حولها قلوب التواقين إلى نصر يكون بحجم   الجراح والآلام . فهو ليس غير العراق في مقاومته ، ولا غير “ غزة ” لذا يبدو الألم واحداً ، والمعركة واحدة في مواجهة الخارج كما في مواجهة الذين أفقروا الناس لتمتلئ خزائنهم ، والمواجهة على الجبهتين واحدة في الحسم .
يضيف الشاعر عبد الكريم الناعم مبرراً صدور بعض العبارات والكلمات في قصائد المجموعة التي وجدها “ سليطة”  في لحظة انفعال صدرت فيقول :
لن أعدم من سوف يرفع أكثر من بطاقة حمراء في وجه الكلمات السليطة ، بيد أنني كنت في اللحظة التي تستغرقني أستجيب لانفعالات تلك الأوتار في الزمن المرهون وأنا واحد ممن لا يستطيع الانتظار لحظة اندلاع الحريق ، لأكون مراقباً يعد نفسه ، ليكون ( تجويد الكتابة أولاً ، تلك طبيعة فيّ حسب تعبير الناعم ، ويضيف : ألفت الانتباه إلى التوقف عند التاريخ المذيل في نهاية كتابة القصيدة فهي “ القصيدة “ ابنة زمنها الفيزيائي قدر ما هي ابنة الحريق الداخلي ، ولم يكن ذلك عن عجز وأنا أدركه ، وأحياناً لا يجد الشاعر ما يعبر عنه غير ألفاظ محددة وعلى من يتشبث باحتجاجه أن يعود إلى العديد من دواويني الشعرية التي انصرفت منها النفس إلى التأمل ، وإلى الصياغات الجمالية والبنائية المشغولة بروح الشعر وحده .. إن من يطأ أرضاً محروقة لا بد أن تعلق بأقدامه آثار ذلك الحريق .
ويختم بالقول : في بعض القصائد وخاصة “ إنه الجنوب فانتظروا ” وما يطلق عليه النقاد “ النبوءة” وهي موجودة عند عدد من الشعراء ، وقد جاءت هكذا ...
 إن الزمن الذي كتبت فيه قصائد مجموعة لكعبة الجنوب تبدأ من الثمانينيات وتنتهي عبر تسلسلها الزمني في عام 2009 ولعل هذا الامتداد الزمني مقصود عبر القصائد الشعرية التي ربما كانت تؤرخ للمقاومة التي انطلقت في الثمانينيات في الجنوب اللبناني وبدأت بتحقيق انتصاراتها المتتالية على الكيان الإسرائيلي وربما اختيار عام 2009 يقترن بانتصار المقاومين في غزة على الكيان الغاصب في عدوان 2009 ، والشاعر في أولى قصائد المجموعة “فكيف تنام”   نراه يجمع في قصيدته المقاومة في أكثر من مكان حين يعبر عن الظروف التي تحيط بالمقاومين وكيف يمكن أن يقترب النوم من عيونهم :
تنام وأهلوك في النار ؟
كيف تنام
على “ دجلة ”
يعبرون الهواء فيعلو الدخان
وفي “ غزة ”..
يشطرون الحريق
فيلقي المكان بآخر برد
على خطوهم
أن ينضو “ الجنوب ” الرعود
فما ثم بعد كلام
ويسهر بين الخرائب صوت “ جنوبية”
عمدت روحها بغبار ثياب الحسين
فكيف تنام .
في قصيدة بيروت ذاكرة نرى الشاعر يعتمد أسلوب المقاطع التي نراه يحكي لنا حكاية بيروت التي حملت في ذاكرتها الأوجاع والآلام والجراح حيث يبدأ القصيدة بتمهيد شعري بـ : من أين تبتدئ الحكاية ؟!!. لتكون بعدها بيروت القنطرة والشاهدة والتي لا تنام وبيروت التذكرة
خابية
وللتراب حزنه
فارغة
وللجرار حلمها
مهجورة
وأنت تعلمين كيف تحفظ
الطيور سكة الإياب
يا بذرة لا تستفيق إلا حين
يشهق التراب .
في قصيدة  الكعبة الجنوب نرى المزاوجة بين الأمكنة فمن نخلة في جنوب العراق إلى من ولد في الشام و فيه حنين الرافدين إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني حيث نفي عدد من المناضلين الفلسطينيين إلى العراق و البرد و الثلج لبضعة شهور على مرأى و مسمع العالم :
على كربلاء العراق أراقوا دمك
ظلماً و بغياً
و هاهم على كربلاء الجنوب يرونك
تسقى الصقيع
و برد العصور
بكف تبرأ منها الإله
فيجرون خلف الذي هو في موفيات
المحافل ذيب .
لــ قانا أكثر من قصيدة في المجموعة و منها قانا الأفئدة الجمر .. و في كشفنا عنك غطاءك حيث يعبر في شعره عن تلك المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي
شهداء قانا يخرجون الآن
من أجداثهم يتأبطون دماءهم
يتسللون من الممرات الخفية
يحملون الخبز و الحلوى
إلى أقصى الجنوب
شهداء قانا يفتحون قبورهم
و دفاتر الذكرى
و أبهى ما يكون من القلوب
إلى القلوب .
ثمة الكثير مما يقال في قصائد لكعبة الجنوب و هي تستحق قراءات متأنية تدخل في عمق القصيدة و المغزى الذي أراده الشاعر منها و لكننا أردنا أن نتوقف عند جزء من الديوان و ما أراد أن يقوله الشاعر عبر ديوانه .
لكعبة الجنوب قصائد مهمة تستحق منا وقفات أخرى و قراءات أخرى في قصائد هذا الديوان الذي اعتقد أنه كان يؤرخ لمرحلة هامة من مراحل المقاومة  في الوطن العربي و قد قدم الشاعر عبد الكريم الناعم  بصمات واضحة في الديوان الذي لا يمكن أن تحيط به هكذا قراءة من بعيد أو من قريب .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الحكيم مرزوق

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة