معبـــــد بـــل ورمــــوزه يحكيان قصة الحضارة وتطورها قــوس النصـــر والنســخة المقـلدة فـــي جامعة أكسفورد

العدد: 
14855
التاريخ: 
الأحد, أيار 14, 2017

سورية مهد الإنسانية والحضارة ، هي صوت التاريخ وعبقه ،تحكي آثارها قصة الإنسان المتحضر فكانت ماري ،إيبلا ،أوغاريت ،قادش ،عمريت ،أفاميا ،بصرى ،شهبا وأيقونة التاريخ تدمر عروس الصحراء التي تقف أوابدها بزهوّ منذ الألف الثاني قبل الميلاد لتتطور عام 106 ميلادي ولتقوم المدينة الأعجوبة بدور هام في القضايا الدولية منذ عهد حيرات ،وأسرة أذينة الذي عرف بملك الشرق حتى بدأت شخصيته تتضاءل أمام طموحات زوجته الملكة زنوبيا فاتسعت تدمر في عهدها ،وأصبح بلاط الملكة وجهة الفنانين  ليخلفوا لنا أوابد لم يشهد مثلها التاريخ ،ومن يقصدها لابد له من زيارة أعمدتها والوقوف أمام قوس النصر الشهير الذي ينحرف بحجارة قوسه الستة عشرة ليواجه مباشرة معبد بل الذي حولته يد الإرهاب إلى أثر من بعد عين ،ولتندثر في هذه الآونة رموزه التي كانت تحكي قصة الحضارة وتطورها و كان يمكن من خلالها  اس

الأقدم عالميا
معبد بــل في تدمر،هو الأقدم عالميا ،و بل هو( إله بابلي أكادي الأصل)،مثل جوبيتر الروماني، وزيوس اليوناني. واسمه زيوس بيلوس في بلاد ما بين النهرين. ويقابله بعلشمين لدى الكنعانيين وحدد الآرامي. وانتقل إلى البلاد المجاورة وأصبح عند الفينيقيين بعل. بُني المعبد في نيسان عام 32م على أنقاض آخر مبني بالطين. واكتمل بناؤه في القرن الثاني الميلادي. وكُرّس للإله بعل، ويرحبول رب الشمس، وعجلبول رب القمر. وكان مقرّاً لمجمع الأرباب التدمريين. وهو أقدم من معبد بعلبك بقرن كامل. المعبد الأول يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد. تهدّم في الحرب بين التدمريين والرومان عام 272م، وفي ثورة التدمريين عام 273م.


هندسة سورية
هندسته سورية في المطلق،و أبعاده 210×205م. وارتفاع جدرانه الحجرية حوالي 14م. بُني هذا المعبد فوق تل اصطناعي على أنقاض معبد بقي القليل من حجارته. وكان البناء على مراحل خلال عهد الإمبراطور الروماني أوغستين (Augustine)، والسنين الأولى من عهد سلفه تيبيريوس (Tiberius) الذي حكم بين 14 و37م. وكان قد بُني أصلاً فوق مصطبة مدرّجة. وعندما وسعت الساحة، استبدل الأساس المدرّج بآخر غير مدرّج على قاعدة تمثال شمش بن تيبول بن شكيبل من بني كمرت، والذي كان تقدمة من أولاده لهيكل الأرباب بل ويرحبول وعجلبول. توجد كتابة تؤرخ تأسيس المعبد في اليوم السادس من نيسان عام 343 سلوقي أي عام 32م (التمثال في متحف تدمر). ويتألف المعبد من ساحة وهيكل. تُحيط به جدران خرّبتها الزلازل في بعض المواقع وأُعيد بناؤها بسرعة وبشكل عشوائيٍ. يحيط بها رواق أعمدته كورنثية، وأسقفها كانت خشبية عليها نقوش دينية ونباتية. الرواق الغربي الذي بُني في منتصف القرن الثاني أعلى من الأروقة الثلاثة الأخرى التي من القرن الأول الميلادي، أي بين 80 و120م، وفيه صف واحد من الأعمدة بينما الثلاثة الأخرى فيها صفان وتيجان الأعمدة كورنثية، كان لها أرفف تُوضع عليها تماثيل الشخصيات الهامة. في الزاوية الشمالية للرواق الغربي يوجد درج لولبي يؤدي إلى السطح. كان للمدخل ثلاثة أبواب درفاتها من البرونز المذهب. عرضه 35م وعلى جانبيه برجان. وكان له درج فخم. وأمام المدخل بهو فيه ثمانية أعمدة مع قوس مركزي كبير. وقد أُزيل كل هذا حينما رُمم المعبد في القرن 12م في عهد السلطان صلاح الدين. كما بُني أمام المدخل حائط لتحصينه. ورُممت الزوايا والجدران، واستُخدمت الأحجار التي تساقطت من المعبد القديم بسبب زلازل القرن 10م التي دمرت تدمر وجعلتها أنقاضاً. وبذلك جعل صلاح الدين من المعبد قلعة، يلجأ إليها السكان ليحتموا بها أثناء الغزوات.

الهيكل
بدأ الإعمار فيه منذ عام 17 أو 19م. ولا تزال بقايا الدرج الذي كان يقود إلى الهيكل موجودة. أما مدخل الهيكل فهو رواق ممتد، فيه أنقاض سقطت من الأفاريز التي كانت تحيط بالهيكل. منها كتلة حجرية كانت تدعم السقف. على وجهها الأمامي نقش بارز للإله ملكبل رب الفصول والمواسم، وإله القمر عجلبول في لباس محارب روماني من الأعلى، ومن الأسفل فهو فارسي الزي، وذلك لتأثر التدمريين بالرومان والفرس معاً. خلفه يوجد هلال،وعلى المذبح توجد رمانة وأجاصة وثمرتي أناناس ،وعلى الوجه الخلفي للكتلة الحجرية، يوجد نقش محاربين بلباس روماني، يراقبون الصراع بين الحصان والحية أي بين الخير و الشر. والإله بل يدوس يقدمه على تنين. وفي الجهة السفلية من الكتلة الحجرية توجد نقوش مطلية بالألوان، كما كانت كل النقوش سابقاً. ويزين البيض معظم النقوش وهو رمز الحياة والخلود.

طقوس المعبد
توجد كتلة أخرى نُقش على أحد أوجهها موكب ديني تتقدمه وتتبعه مجموعة من النساء وجمل يحمل تمثال الإله بل، وسار الحجّاج أمامه مع أضاحيهم. وعلى الوجه الخلفي للكتلة تتمة الموكب وهو من حجّاج يحملون البخور. وهذه النقوش تعطي فكرة عن الطقوس التي كان الحجّاج يقومون بها في ذلك المعبد. ويدعون يوم الحج وهو 6 نيسان باليوم الطيب، وهو يوم تكريس المعبد للإله بل. إذ يذهب الحجّاج إلى المعبد ومعهم أضاحيهم فيدخلون بها عبر ممر خاص، يدورون بها مع محمل الإله بل الموضوع فوق جمل. ثم إلى المذبح ليقدموا الأضاحي للإله بل. وبعد الذبح والتنظيف تُشوى الحيوانات أو تطبخ لتقدم طعاماً للمدعوين الذين تمت دعوتهم إلى هذه الوليمة بواسطة بطاقات دعوة فخارية. وبعد الوليمة يقوم الجميع بالطواف الكبير حول المعبد لمرة واحدة. ثم طواف صغير حول الهيكل مرتين.

زخارف نباتية وحيوانية
استُعمل الهيكل  للعبادات منذ 2200ق.م. وفي العهد التدمري كُرّس المعبد للإله بل في عام 32م. وكان تمثاله يوضع بالهيكل ولا يدخله إلا الكهنة ،وهو بناء مستطيل أبعاده 10×30م. أمام مدخله درج فخم يقود إلى رواق أعمدته رشيقة ومخدّدة، طول الواحد 18م، وتيجانها كورنثية مغطاة بالبرونز المذهب. فوقها إفريز من المنحوتات الإنسانية المجنحة تحمل أكاليل من الثمار والفواكه. وكان سقف الرواق مرفوعاً فوق جسور ضخمة من الحجر المنحوت، نُقشت عليها مشاهد دينية وأسطورية وزخارف حيوانية ونباتية وهندسية. يقع مدخل الهيكل في الغرب، وليس في الوسط تماماً بل أقرب إلى الزاوية الجنوبية من الهيكل. ويواجه تماماً مدخل المعبد الرئيسي، وذلك ليتمكن الناس من رؤية تمثال بل، عند نقله من الهيكل، لوضعه فوق الجمل من أجل الطواف. أحجار المدخل مزينة بنقوش الأناناس والبيض والعنب وأوراقه، وكانت تلك الأحجار تترابط ببعضها بأسافين معدنية من البرونز أو الرصاص.لزيادة متانة المبنى الأثري وإعطائه المرونة في حال تعرضه للاهتزازات الأفقية و داخل الهيكل يوجد محرابان لوضع تماثيل الآلهة مما يؤكد كثرتها. وقد عُبد ثلاثة منها في هذا المعبد هي بل وعجلبول إله القمرويرحبول إله الشمس ،وكان السوريون يضعون آلهتهم في المحاريب،أما اليونان و الرومان فكانوا يضعون آلهتهم فوق قواعد حجرية.

المحراب الأيمن الجنوبي
كان يُوضع فيه تمثال الإله بل أمامه درج فخم. سقف المحراب من الحجر المزخرف، في مركزه توجد وردة وهي تمثل الحياة ، حولها دائرتان بينهما أشكال هندسية. يحيط بها مربع، مزخرف من الخارج بإطار من المربعات والمثلثات ثم بأشكال سداسية في داخلها ورود و زهور. وعليه آثار دخان الشموع التي كان الزوار يشعلونها فيه حينما صار الهيكل كنيسة. على جانبي المحراب درجان يقودان إلى سطح الهيكل، وكان الكهنة يصعدون إلى السطح لعبادة الشمس أو القمر.
الكواكب السبعة
كانت تُوضع فيه تماثيل الأرباب الثلاثة بل و يرحبولو عجلبول. وكان أمامه درج. وسقفه حجري في مركزه نقش للإله بل، ضمن شكل سداسي. تُحيط به سبعة من الآلهة تمثل الكواكب السبعة. حولها دائرتان بينهما الأبراج الاثنا عشر، وذلك دلالة على سيطرة الإله بل وفقا للمعتقدات السورية القديمة على مقادير الأرض والسماء. يحصر الدائرتين مربع. في زواياه الأربعة المكونة بينه وبين الدائرة الخارجية، نقش نسر فارداً جناحيه وهو شعار الإله بعلشمين ورسول الأرباب إلى البشرية، والمسيطر على حركة السماوات. حول المربع وما بقي من السقف نُقشت وردات وأشكال هندسية. على جانبي المحراب غرفتان، في اليسرى درج يقود إلى السطح.
في العهد البيزنطي
في مطلع العهد البيزنطي تحول الهيكل إلى كنيسة لا تزال آثارها باقية. فعلى الجدار المقابل للمدخل تبدو آثار قوس المذبح. وعلى الجدار الغربي بقايا فريسكو، تمثل الملائكة جبريل وميكائيل و القديس جورج.
في العهد الإسلامي، أصبح المعبد حصناً. وذلك في القرن 12م وبقيت كذلك حتى عام 1930. وعلى يسار درج الهيكل Cella توجد بقايا أساسات المذبح وغرفة الاحتفالات، وعلى يمينه البركة المقدسة. وفي الجهة الجنوبية الغربية من الباحة يوجد ممر خاص لحيوانات الأضاحي .
إحياء ذكرى الانتصارات
قوس النصر عبارة عن بوابة ذات ثلاثة مداخل، فوقها قوس تُزينه نقوش هندسية ونباتية، بناه سيبتيموس سيفيروس (Septimus Sevirus) بين عامي 193 و211 ميلادي، يحيد القوس حوالي 30 درجة عن الطريق المستقيم.
بني القسم الأكبر من قوس النصر في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث ليوصل الطريق المستقيم بمعبد بل. ولكن بناءه لم يكتمل، القسم الأوسط من الطريق المستقيم وعرضه 11م كان للحيوانات والعربات لذا لم يكن مرصوفاً وعلى الجانبين الرواقان، وكل واحد عرضه 7م، وهما مسقوفان لهما أعمدة قطر الواحد منها 0.95م وارتفاعه 9.5م، وللأعمدة رفوف لحمل تماثيل الشخصيات الهامة وتحت التمثال اسم صاحبه لم يبق منها سوى 150 عموداً، وكانت المخازن والأماكن العامة تُفتح على هذه الأروقة.
تعود أصول فكرة القوس إلى العصور الرومانية وهو شكل بناء مؤلف من قوس أو منحنى مرفوع على مجموعة أعمدة، وقد يختلف التصميم والشكل لكنه ثابت من حيث المبدأ، ليكون صرح يرمز للنصر في المعركة أو الحرب. وفقا لبعض المصادر، تم بناء القوس لاحياء ذكرى انتصارات الرومان على الفرس، ويشار له أحيانا بشكل خاطئ باسم قوس هادريان، على الرغم من أن الإمبراطور هادريان قد مات قبل بناء القوس بنصف قرن. يتواجد القوس بقرب العديد من المنشات الاثرية كمعبد بعلشمين ومعبد بل و غيرها حيث قام الرحالة البريطاني روبرت وود بتوثيقها جميعها عام 1753 و نشرها في لندن تحت عنوان اطلال تدمر، كما تم ترميم القوس في ثلاثينيات القرن العشرين عندما اصبحت تدمر منطقة جذب سياحي حيث ان القوس يعتبر من المعالم الرئيسية للمدينة .
نسخة مقلدة
قام معهد الآثار الرقمي (IDA) بجامعة أوكسفورد بتصنيع النسخة المقلدة لقوس النصر من الرخام المصري باستخدام التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد بناء على صور القوس الأصلي، عرضت هذه النسخة في ميدان الطرف الأغر (ترافلغار) لمدة ثلاثة أيام قبل عرضها في مواقع أخرى حول العالم بما فيها نيويورك ودبي، وهذه النسخة البالغ ارتفاعها 5.5 متر صنعتها آلات حفرت الأحجار بنفس الشكل والتصميم الذي كان عليه القوس الأصلي اعتمادا على الصور ثلاثية الأبعاد حيث تم نصب النسخة، التي بلغت كلفتها 100 الف جنيه إسترليني خلال أسبوع التراث العالمي.

تقطاب المزيد من السائحين ،وصار واضحا أن الهجمة الشرسة التي تتعرض لها سورية والهدم الممنهج لتاريخها وآثارها وحضارتها الموغلة في التاريخ تهدف إلى محو ذاكرة وطن قام بتصدير الأبجدية الأولى إلى سائر المعمورة .

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
اسماعيل عبد الحي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة