مليارات الليرات ضائعة سنوياً من « قطاع التعليم العالي » ؟ !!

العدد: 
19921
التاريخ: 
الاثنين, آب 21, 2017

بإمكان قطاع التعليم الحكومي في سورية  « وزارة التعليم العالي ووزارة التربية « تأمين عشرات آلاف فرص العمل للخريجين و التقنيين في مختلف الاختصاصات دون تحميل الدولة أعباء إضافية و في الوقت عينه تحقيق أرباح تقدر بعدة مليارات من الليرات السورية سنويا و تفسح الإمكانية أمام عشرات آلاف الطلبة لمتابعة تعليمهم الثانوي أو الجامعي أو في الدراسات العليا و تجنبهم معاناة السفر إلى الخارج أو الرضوخ للشروط المالية المكلفة في القطاع الخاص «الجامعي و ما قبل الجامعي»

التعليم المسائي هو الحل فلماذا  التأجيل
من المعروف أن التعليم في سورية يقدم بشكل مجاني لجميع المواطنين حتى نهاية مرحلة الدراسات العليا وفق ضوابط يحكمها بالدرجة الأولى معدلات الطالب و قامت الدولة خلال السنوات الأربعين الماضية بتوسيع ودعم  قطاع التعليم بكافة مراحله بصورة كبيرة جدا فأحدثت آلاف  المدارس الإعدادية و الثانوية بحيث شملت الريف كله و أحدثت جامعات جديدة   ووسعت الجامعات القائمة عبر إحداث اختصاصات و كليات جديدة وأوفدت آلاف الطلبة إلى الخارج للحصول على الشهادات العليا ووفرت بذلك بنية تحتية هائلة خاصة في قطاع التعليم العالي تقدر بعشرات مليارات الدولارات و كان قطاع التعليم العالي يضم قبل الأحداث ما يزيد عن نصف مليون طالب جامعي في مختلف المراحل.
 عندما بدأت الدولة بترخيص الجامعات الخاصة إذ أنه و رغم ضخامة قطاع التعليم الجامعي فقد كان هناك آلاف الطلبة يغادرون إلى الخارج لإكمال تعليمهم على حسابهم الخاص للالتحاق بجامعات أجنبية تطبق معايير قبول أدنى للالتحاق  بكليات الطب و الصيدلة و الهندسة ...
استثمار نصف الوقت
البنية التحتية الهائلة التي أقيمت و أنشئت على حساب مجمل الوطن تستخدم لنصف الوقت فقط و كان بإمكان وزارة التعليم العالي إحداث “ التعليم المسائي “ منذ وقت طويل لاستيعاب آلاف الطلبة الذين يريدون الدراسة على حسابهم الخاص و هي بذلك تحقق على الأقل “ المنافسة « الشريفة مع القطاع الخاص الجامعي و تجعل خيارات الطالب أفضل خاصة و أن البنية التحتية في الجامعات الحكومية كبيرة وواسعة إلى درجة لا يمكن معها مقارنتها مع الجامعات الخاصة و يمكن  الجزم أن مخابر كلية واحدة من الكليات العلمية في الجامعات الحكومية توازي في حجمها و أجهزتها و تقنييها مجمل المخابر في جميع الجامعات الخاصة الموجودة حالياً « تبين أن مخابر كلية واحدة في جامعة البعث تساوي 6 مليار ليرة»
رهان خاسر حتى الآن
أحدثت وزارة التعليم العالي في وقت مبكر نوعاً جديداً من التعليم المأجور « شبه المجاني » للطلبة الذين تنقصهم عدة علامات تفصلهم عن الالتحاق برغباتهم في التعليم العام المجاني و هو التعليم « الموازي » ثم قامت في مرحلة لاحقة بخطوة أكبر عبر إحداث التعليم المفتوح الذي أتاح الفرصة أمام عشرات آلاف الطلبة  سنويا لمتابعة تحصيلهم الجامعي بأجور رمزية “ مقارنة مع الجامعات الخاصة « لكن هذا لم يكن كافيا لاستيعاب كل الطلبة و بقي السباق لصالح الجامعات الخاصة التي تقبل الطلبة بمعدلات متدنية في كليات الطب و الصيدلة و الهندسة و غيرها .
قيد البحث ... لم يبحث
منذ أكثر من عشر سنوات سألت وزير التعليم العالي و كان في زيارة لجامعة البعث عن امكانية افتتاح التعليم المسائي في الجامعات الحكومية و استثمار فترة بعد الظهر لاستيعاب آلاف الطلبة في كل جامعة على حسابهم الخاص قال الوزير « هذا الموضوع قيد الدراسة في مجلس التعليم العالي»
يومها أجمع العديد من الأساتذة الجامعيين «كانوا من عدة جامعات » على أن الإمكانية متوفرة في معظم الكليات و الجامعات للتدريس المسائي و أن هذه الخطوة يمكن أن تغير حياتهم و تجعل نظام التعليم في سورية أكثر مرونة و لكنهم في الوقت عينه « و  راهن بعضهم بأن هذا النوع من التعليم لن يتحقق » لأن أصحاب الجامعات الخاصة « التي تبيض ذهباً » سيجدون الوسيلة المناسبة لمنعه.
 في العام اللاحق شهدت جامعة البعث ورشة عمل مركزية حول استراتيجيات التعليم الجامعي في الخطة الخمسية القادمة و كان ممثل وزارة التعليم العالي هو احد معاوني الوزير .. سألته لماذا لم تتطرق ورشة العمل لموضوع التعليم المسائي و هل هو ضمن هذه الاستراتيجية ؟؟؟
استغرب معاون الوزير السؤال و قال إن هذا الموضوع لم يتم طرحه مطلقاً في مجلس التعليم العالي ... وعندما ذكرت له تصريح الوزير «المنشور إعلاميا » احتار  بالإجابة و قال أنه ربما  كان غائبا أثناء طرح الموضوع ..!!
تبسم أحد الأساتذة و قال : أنا كسبت الرهان ... لن يتم احداث هذا  النوع من التعليم خاصة و أن هناك تراخيص جديدة تبحث الآن إحداث جامعات خاصة أخرى ..منذ ذلك الوقت و حتى اليوم تضاعف عدد الجامعات الخاصة /4/مرات و بقي التعليم المسائي مجرد فكرة غير قابلة للمناقشة و بقيت اسئلتي لعدة وزراء و مسؤولين لاحقين بلا جواب و بقيت المواد الصحفية التي كتبتها حول التعليم المسائي بلا أي تعليق ..
هل يتحقق هذه المرة ؟
كان بند التعليم المسائي أحد بنود اجتماع مجلس التعليم العالي في جلسته الحادية عشر للعام الجامعي 2016 – 2017 و الذي عقد يوم 26/7/2017في جامعة تشرين برئاسة الدكتور عاطف نداف وزير التعليم العالي
وجاء في خبر نقلته وكالة سانا الرسمية أنه  تم خلال الجلسة بحث عدة مقترحات منها إحداث التعليم المسائي في الجامعات الحكومية والمعاهد العليا التابعة لها ،
وقال وزير التعليم العالي خلال الاجتماع ما نصه « أنه سيتم من خلال التعليم المسائي استثمار البنية المادية والإمكانات البشرية والكفاءات العلمية الموجودة في الكليات وأعرب عن استعداد الوزارة لتقديم كل أشكال التعاون والدعم للجامعات وكوادرها لتحسين مستواها » .
إذ كانت وزارة التعليم ما زالت بعد كل تلك السنوات « تدرس » اقتراح الاحداث فهذا يعني حتما أن ثمة وقت غير محدد للموافقة ويأتي بعد ذلك إقرار الافتتاح وثمة فارق كبير من حيث المدة الزمنية بين الموافقة على الإحداث والموافقة على الافتتاح وهي عادة تتراوح بين سنة وخمس سنوات « إلا في الجامعات الخاصة التي تشهد سرعة غير طبيعية  »  مع ذلك فإن مجرد طرح الاقتراح في اجتماع رسمي في مجلس التعليم العالي واعتماد الطرح من الوزير هو شيء ايجابي ولو جاء متأخرا لأكثر من عقد  من الزمن كان بإمكان الوزارة تحقيق طموح عشرات آلاف الطلبة وفي الوقت عينه تحقيق ما لا يقل عن /40 / مليار ليرة كحد أدنى دون الحاجة لتحميل دافعي الضرائب أو ميزانية الدولة أية كلفة إضافية
المليارات الضائعة
لا أظن أن مبلغ / 40 / مليار هو رقم كبير في عشر سنوات بل يمثل الحد الأدنى وكان بالإمكان تحقيقه إذا كانت أجرة الدراسة موازية للقطاع الخاص حيث تبلغ رسوم وأجرة السنة الدراسية في الكليات الطبية والعلمية في الجامعات الخاصة مليون ليرة سنويا  لكل طالب وغالبا ما يتحمل الطالب حوالي ربع مليون ليرة أخرى كأجور سكن وتنقل وثمن وثائق ومعاملات حيث يبلغ ثمن أية وثيقة أو معاملة « تأجيل»  كشف علامات ... ما بين خمسة إلى عشرة آلاف ليرة في وقت تمنح بشكل شبه مجاني في الجامعات الحكومية .
وبالتأكيد فإن وزارة التعليم العالي لو أقرت نظام التعليم المسائي في الكليات الجامعية والمعاهد العليا بنصف الثمن المعتمد في القطاع الجامعي الخاص ستحقق الفائدة نفسها لأنها بذلك ستستقطب النسبة الكبرى من الطلبة خاصة وأن كلياتها تغطي معظم المدن الكبرى وكل المحافظات وتحظى بموثوقية أعلى.
عمل بلا منافسة
 لو تم تعميم تجربة التعليم المسائي على قطاع التعليم ما قبل الجامعي فإن النتيجة ستكون أعم وتنعكس بصورة ايجابية على العاملين في مرحلة التعليم الأساسي والثانوي وذلك عبر اعتماد نظام تعليم لتحسين مستوى الطلبة وهذا النوع من التعليم والحديث يدور هنا عن حوالي / 100 / ألف طالب سنويا كحد أدنى ما زال رهن القطاع الخاص التعليمي فإضافة الى المدارس الخاصة الإعدادية والثانوية نبتت في كل محافظة و مدينة و قرية  عشرات المعاهد  لإجراء دورات تعليمية يدرس فيها أساتذة من المدارس الحكومية و يقول مدرس ثانوي بإمكان أي مدرسة ثانوية حكومية تقديم دورات تعليمية مأجورة أفضل لطلبتها لو أن القوانين تسمح بذلك وتتحقق الفائدة للطالب و المدرس سوية  و الدورات التي تقام حاليا هي عبر منظمات الطلبة و هي غير مجدية مادياً للمدرسين الذين يفضلون التعامل مع القطاع الخاص
كلمة أخيرة
تعودنا  في الموروث الشعبي اليومي القول أن «الدولة هي أم الفقير »  و تعود المواطن الحصول على التعليم المجاني و الطبابة المجانية  و الخبز المجاني ... الخ تعود على أخذ هذه الحقوق كروتين يومي و لا شك أن ذلك كان و ما زال من أفضل ما قدمته الدولة عبر سنوات طويلة فهي أتاحت أفضل سبل التعليم حتى لأفقر أبناء هذا الوطن .. و هذا يجب أن يستمر، وليستمر بشكل أفضل يمكن لأكثر من وزارة وجهة تعديل قوانينها و أنظمتها الداخلية وإيجاد المرونة اللازمة لتحقيق عوائد مالية تدعم عملها دون التأثير على الطبقات الأوسع في المجتمع
و لا أظن إن إحداث التعليم المسائي مقابل أجور مقبولة يمكن أن تكون له إلا الآثار الايجابية لا بل يمكن الطموح لمرحلة يصبح لدينا تعليم خاص جامعي أو ما قبل الجامعي يمول من قبل وزارات أو مؤسسات يساعدها في تحقيق إيرادات مالية لتطوير عملها و هذا أفضل من ناحية أخرى للطلبة و ذويهم من الهجرة للخارج أو دفع مبالغ طائلة للجامعة الخاصة
ويجب الاعتراف أن ما ألحقته الحرب الدولية الإرهابية ضد سورية كان باهظ التكلفة على كافة الصعد و مرحلة إعادة الإعمار القادمة بعد الانتصار على قوى الشر تستلزم خفض  النفقات في أكثر من اتجاه و البحث على إمكانية التمويل الذاتي في أكثر من قطاع و هذه مسؤولية الجميع .

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
بطرس الشيني

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة