البيدق لصفوان محمود حنوف ...الرجل والمرأة.. وقصص الحب المعهودة

العدد: 
14952
التاريخ: 
الثلاثاء, تشرين الأول 10, 2017

القاص (صفوان محمود حنوف) في مجموعته الثانية (البيدق) يقدم مجموعة من القصص القصيرة التي تدور بمجملها حول العلاقة (القديمة- الجديدة) التي تربط بين المرأة والرجل. وهذا الموضوع يقبل دائما الكتابة عنه باستمرار، فهو من المواضيع الخالدة في عالم الأدب، ما يجعل الغوص فيه ومحاولة اكتشافه وسبر بعض عوالمه تجربة مشروعة للكاتب، وان كان النظر من زاوية مختلفة أمراً نادر الحدوث بعد كل ما كتب في تاريخ البشرية القصصي، وأيضا الحكائي والأسطوري.
وقصص (صفوان محمود حنوف) دارت في الفلك المعهود لمثل هذا النوع من القصص المندرجة تحت ما يسمى القصص: (العاطفية) أو (الرومانسية). كما نجد في قصص المجموعة تقصد الكاتب أن يصوغها بأسلوب سردي حرص فيه كاتبه أن يقارب النثر الفني، وهذه ما جعل القاص يسهب في الوصف على حساب التركيب النفسي للأبطال، أو التركيب التقني للأحداث. فالأولوية بالنسبة للقاص كانت كتابته قصصاً لطيفة وممتعة، لهذا برز حرصه المبالغ في صوغ سرد مشغول بانتقاء العبارات المرهفة ذات الجرس الموسيقي، ومثلما حرص على هذه العوامل الأسلوبية حرص أيضا ان تكون بيئته القصصية لها الأجواء ذاتها، فكانت الطبيعة ذات المناظر الخلابة رحما يحتوي قصصه، لهذا أطنب القاص في وصف الطبيعة، لاسيما الورود، ولكن دون ان يحاول كسر الصيغ الجاهزة، أو ما تم التعارف عليه في مجال الوصف النثري، وهذا ما جعل بعض قصصه تقارب الخاطرة على حساب القصة القصيرة الحديثة المستوفية لشروطها جميعها.
القصص مقدمة بلسان الراوي العارف بكل شيء، لهذا كان الأبطال مكشوفين تماما، دونما أن يكون ثمة زوايا يمكن للقارئ أن يخمنها أو يتأملها. وهذا الراوي يلتبس مع شخوص المجموعة.
وغالبا ما يصف الراوي الرجل الذي يفكر بالمرأة، ثم يصف المرأة التي تدور في فلك الرجل، فالأبطال ليس لديهم أي حياة خارج نصفهم الآخر.
وقد نفرت عن أجواء القصص العشر قصتان بعنوان :(أنا وصديقي باش) و (البيدق ). لهذا لن أتناولهما في هذه الدراسة. فقد اقتصرت دراستي هذه على علاقة الرجل والمرأة المرتبطين بصلة حب، ولكن هذا الحب غير مكتمل.
[ الرجال العاشق ]
برغم أن أبطال المجموعة لا يدخلون عالم المرأة بسهولة (إذ لم يكن من السهل عليه أن يهب روحه لإحداهن. ص17 ) قصة (موت قبل الولادة). فإن أبطال المجموعة غارقون في الحب وليس لديهم خيار آخر (كانت في ذاكرته جمرة خمدت فتدحرج قلبه فوق أديم الزمن. ص25) قصة (أولى نسيمات الفرح). فأعمارهم ليست سوى تاريخ علاقتهم مع المرأة التي تمثل لهم الحياة بكل ما فيها (نظر خلفه إلى السنين الخوالي وعذاباتها حين عاش قلبه مرتين خلالها يوم ومضت في كل منهما امرأة تفتح بحبه لها. ص16) قصة (موت قبل الولادة). فالأعوام تقاس بحضور المرأة في عمر الرجل (مرة أخرى رآها تلك الوردة تلد له زمنا جديدا في عمره. ص18) قصة (موت قبل الولادة). ولكن هذا الحضور على أهميته قد يحاول رجال المجموعة تجاهله أحيانا بقصد التخفيف من سطوة المرأة لا غير (دخلت إليه فتظاهر انه يجهلها. ص81 ) قصة (ورد وعتم).
وعالم الحب هذا لا يبعث على السعادة برغم أن أبطال المجموعة لا يختارون سواه مهما كانت الظروف (أهلكه حزن الهوى. ص7 ) قصة (رسالة محيرة). برغم أن علاقة الحب غير متكاملة الأبعاد (يبس من الانتظار. أضناه الشوق، وأرهقه الليل والفجر.. والشفق والأصيل. ص7) قصة (رسالة محيرة). ولا يرتجي العاشق أي أمل من محبوبته، بل لا ينتظر ثمة سعادة من هذا الحب (لكن زرعه لم ينبت وكان من الصعب عليه أن يصل إلى ما كان يسميه حبا بات ضياعا. ص17) قصة (موت قبل الولادة). بل هذا العاشق متأكد من عدمية هذا الحب وانقطاعه في نهاية الأمر (حتم عليهما أن يفترقا. ص21 ) قصة (موت قبل الولادة).
فكأن حضور المرأة في حياة الرجل وجد لتعذيب هذا الرجل بهذه العلاقة الممتعة، مثلما هي مربكة بقدر حتميتها (هي وجع وشراع قلق تائه ومزرعة ورد حزين. ص25 ) قصة (أولى نسيمات الفرح). بل كثيرا ما كان حضور المرأة مجرد طيف عابر وخيال أكثر من حضورها الفعلي (كانت تقف بغلالتها البيضاء على باب بيت صغير وجميل في طرف الحديقة مادة إليه يديها. ص11 ) قصة (رسالة محيرة). أو غائبة حاضرة، حيث تتلقى الرسائل والهدايا أو تجيب برسالة أو هدية (قدم لها زجاجة من العطر بينما أهدته لوحة تذكارية. ص9 ) قصة (رسالة محيرة). أو هذه العلاقة مجرد تذكار وزاد في وحشة الحياة الحزينة (لم يبق له منها غير ليمونة أهدته إياها. ص8 ) قصة (رسالة محيرة). بل تظل علاقة الحب مقفلة على نفسها في دائرة تتقلص كلما انداحت دوائر العمر (اقفل عليه الباب من الداخل ثم ناولها زمام قلبه ومقاليد روحه. ص25 ) قصة (أولى نسيمات الفرح). ثم تأتي نهايات القصص ليكون الفراق بين المرأة والرجل دون أمل في لقاء قادم (ترك عينيه تبوحان بكل ما في قلبه فدمعتا وهو يخرج دون وداع. ص28) قصة (أولى نسيمات الفرح).
ولم يقدم المؤلف تبريرا واضحا ومقنعا عن هذه الأحكام التي أصدرها على أبطاله. فحالات الحب في المجموعة ضبابية غير واضحة الملامح (بحث عن طيفها فلم يجده بل رأى شجيرات والأزهار متحلقات حول الوردة البيضاء وكن يطلقن زغاريدهن. ص22 ) قصة (موت قبل الولادة).
[ المرأة العاشقة ]
المرأة بدورها تشكو الوحدة (وحيدة على قارعة الزمن ص31 ) قصة (سفر الخلود). بل شعور الوحدة يتفاقم عند فقدان الطرف الآخر (قليلا ما كان يبرز في حياتها وللحظات قليلة خلال فترات متباعدة. ص103) قصة (دمعة دمعة). وحتى عندما تجتمع مع الرجل فالصمت حاضر (استقبلته كعادتها بحفاوة الصمت. ص26) قصة (أولى نسيمات الفرح). لهذا يظل الزمن راكدا كأنه لا يمر (لا تزال أيامها تمضي رتيبة مملة تتلمس خلالها حطامها المفجوع. ص71 ) قصة (ورد وعتم).
ولكن حضور الرجل المحبوب لا يشترط سعادة الوصال (حبها له كله متاعب. ص104 ) قصة (دمعة دمعة). مع أن الرجل هو الملاذ الوحيد للمرأة (كلمة حب واحدة منك كفيلة بأن ترمم كل الشروخ التي أحدثتها في قلبي. ص112) قصة (دمعة دمعة).
فالمؤلف لا يرصد سوى حالات الحب الحزين، لهذا المرأة ترى العالم موحشا (فقد بدا كل شيء في عينيها مظلما حارقا ص72 ) قصة (ورد وعتم). ومع ذلك فالحب يبقى قدر نساء المجموعة الذي لا مفر منه (عادت تسأل نفسها من جديد عن معنى الحياة فلم تتراءى لها إلا بأن تضع رأسها على صدره. ص103) قصة (دمعة دمعة). وليس في حياة هذه المرأة سوى الحب (كل شيء يمكن أن تنساه عدا أنها ولدت تحبه. ص79 ) قصة (ورد وعتم). فالحب هو تاريخ بطلات المجموعة (أحبته منذ عشرين سنة. ص102 ) قصة (دمعة دمعة). ويبقى الحب مرافقا للمرأة طوال عمرها (يشعلها بالشباب والجمال اللذين مازالت تتمتع بهما رغم تجاوزها الأربعين. ص10) قصة (رسالة محيرة). لهذا لا تجد المرأة غير الشكوى التي تصنع قصص هذه المجموعة (ليس له قلب أيضا وآلا نبض من اجلي مرة. ص105 ) قصة (دمعة دمعة).
وبرغم كل معاناتها تظل المرأة صامتة قانعة بنصيبها وراضخة لواقعها (اعتادت ظلام سجنها ووحدتها في قصور رملية بنتها في أحلامها تنهار كل آن. ص76) قصة (ورد وعتم). ونادراً ما تنتقم، وإذا فعلت فبالأحلام (ستغتسل في قتلي لك وتتطهر من ادرانك. ص114 ) قصة (دمعة دمعة). وهذه المرأة هي التي يتحدث عنها المؤلف الذي يرى فيها الطهارة والبراءة لهذا يجعل ثيابها بيضاء اللون، أما إذا لبست اللون الأسود فللحداد (كانت ترتدي ثوبا ابيض تلف رأسها بشال من اللون نفسه. ص90 ) قصة (قبلني). لهذا كثيرا ما تبدو المرأة محدودة الإدراك وشبيهة بالصغار (تحلم أن يأخذها طفلة من ذراعيها 75ص) قصة (ورد وعتم).
وظلت المرأة في قصص المجموعة محاطة بإطار ضيق محدود المساحة، فلم يحاول القاص ان يجعلها تتغير، أو تتخطى واقعها، فبقيت سلبية دائما (قيدني حتى صرت عاجزة عن القيام بأي شيء ص102) قصة (دمعة دمعة).
*    *    *
لقد حاول القاص من خلال مجموعته أن يقدم قصصا مؤثرة اعتمادا على الوصف الجميل الموشى بالعبارات التعبيرية التي استخدمها بكثرة وهذا ما كان على حساب عناصر القصة الأخرى لأن المؤلف أعطى الأولية للعبارات المزوقة التي نجح بصياغتها ما أنقذ بعض قصصه إلى حد معقول. فمواضيع القصص معروفة، بل لم يحاول المؤلف معالجة قصصه من زوايا جديدة، لهذا أتت مألوفة، وهذا لم يعبأ له المؤلف، ولذلك يتضح التكرار والتشابه في العديد من القصص. أما أبطال المجموعة فيفتقرون إلى الاستقلال عن إرادة الكاتب الذي حاول تقديم صيغته التي وجدها الأنسب دون أي قبول لوجهات نظر أخرى.
وعموما، تظل هذه المجموعة في نطاق التجربة الشخصية للقاص (صفوان محمود حنوف) الذي امتلك تقنيات القصة القصيرة ولكنه لم يجرؤ على مغامرة التجديد، فظلت المجموعة تنتمي بكل ما فيها إلى سرب المجموعات القصصية التي تعكس الجانب الأكثر شيوعا في القصة القصيرة المعاصرة في سورية.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة