في محاضرته عن تعليم الفن المسرحي ...بلبل :هل يتغير أسلوب تعليم فن المسرح حتى يقوم الهواة بدورهم

العدد: 
14952
التاريخ: 
الثلاثاء, تشرين الأول 10, 2017

قدم الأستاذ الكاتب والمخرج المسرحي فرحان بلبل محاضرة بعنوان ( تعليم الفن المسرحي ) وذلك بفرع حمص لاتحاد الكتاب العرب بحضور جمهور من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي والمسرحي
وقد بدأ المحاضر بالحديث عن زيارة البروفيسور بنكا للمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1983 وحضوره إلى حمص وحديثه عن دور مسرح الهواة في ألمانيا. بأنه الأساس في النشاط المسرحي في ألمانيا. ومشاهدة أساتذة المعاهد المسرحية عروض الهواة وانتقاء من يتمتع منهم بموهبة عالية لينتسب  إلى معهد مسرحي كي يتعلم أصول المهنة في التمثيل والإخراج وبقية أشغال المسرح.
وقال معلقا على ذلك :ليس الحال في سورية والوطن العربي بعيداً عن حال المسرح الألماني. فقد قام منذ نشأته على أكتاف الهواة الذين لم يكونوا يعرفون شيئاً عن فن المسرح وعلومه المختلفة. وكانوا يتعلمون أصول التمثيل والإخراج والديكور من ردود فعل الجمهور. وقد بلغوا في النصف الأول من القرن العشرين مبلغاً عظيماً في الإجادة وتحريض الجمهور على الغايات التي نشأ المسرح من أجلها. ودليل هذا الرأي أن زكي طليمات كان يتحدث عن (التمثيل العربي). وذلك قبل إنشاء المعاهد المسرحية وهو الذي تعلم في المعاهد المسرحية. والمفارقة العجيبة أن هذا المصطلح اختفى بعد إنشاء المعاهد المسرحية. ومن يراجع تاريخ المسرح السوري أو المصري أو الجزائري أو العراقي أو غيرها، يجد أمراً عجباً في تجاوب الجمهور مع الممثل العربي.وضرب على ذلك مثلاً صغيراً. انه في نهاية الحرب العالمية الثانية كان شرط الشاب حتى يصبح ممثلاً أن يكون جهير الصوت قادراً على التجول على المسرح باختيال. ويروى عن عبد الوهاب أبو السعود وهو أشهر من عمل في المسرح المدرسي في دمشق أن مديري المدارس كانوا يدعونه لتقديم عرض مسرحي. فكان يقول للمدير (أحضر لي الطلاب الذين يجيدون الخطابة والإلقاء). ولذلك سمى زكي طليمات هذه المدرسة (مدرسة الصوت). وكانت ضرورية ولازمة في هذه المرحلة. فهي مرحلة مقارعة المستعمر. والنبرة الخطابية – والعرب أهل الخطابة – تفعل فعل السحر في المتلقي.
ورأى السيد المحاضر أن الممثل الهاوي الألماني والعربي يشتركان في أنهما عماد الحركة المسرحية كلها،  ويفترقان في عنصرين أساسيين:
أولهما أن الممثل الألماني والغربي عموماً، سليل تاريخ مسرحي طويل. وهذا التاريخ يحمل إليه الخبرة والثقافة والمعرفة. فهو لا ينشأ في حومة الجهل المسرحي. ويجد أمامه أنى كان صالات مجهزة أحسن تجهيز.  ويلتقي بجمهور عليم بالمسرح ومحب له ويكن للعاملين فيه شديد الاحترام.
أما الهاوي السوري والعربي فقد بدأ هو بصنع تاريخ المسرح. وهو لا يعرف شيئاً عن هذا الفن. فهو جاهل بأصوله وفنونه. وهو لا يجد منصة مسرحية مجهزة بأبسط التجهيزات. والأهم من هذا أن جمهوره شديد الحب له وشديد التأثر به أضعاف ما يتأثر الجمهور الألماني وغيره بممثله. لكنه لا يكن له كثير الاحترام. فهو يسميه (المشخصاتي) في نوع من التشهير به والانتقاص منه.
وثانيهما أن الممثل الألماني المحترم المقدر – والأوروبي عموماً - يتابع نشاط قومه الثقافي. فالمسرح عريق في بلده. وله مكانة رفيعة في الحياة الاجتماعية والثقافية. أما الممثل السوري والعربي، فقد قام بدور اجتماعي وثقافي كبيرين. فهو يكرس المكانة الاجتماعية للممثل وللفن عموماً، وهو يضيف تكريس ثقافة جديدة على مجمل الثقافة العربية لأن المسرح فن طارئ جديد على الفكر العربي. وإذا بدأ المسرح مع رواده الأوائل نوعاً من البدعة الطريفة، فإن توالي عمل الممثلين الرياديين حوَّل المسرح إلى جزء هام من أنواع الثقافة. لكنه لم يستطع ترسيخه بشكل وثيق في الحياة حتى الآن.
وفي ربع القرن الذي مضى كما يقول الأستاذ المحاضر فقد حدث شيء جديد. فقد صرنا نلاحظ عند الشباب العرب في مختلف الأقطار العربية إقبالاً على العمل في المسرح لم يكن من قبل. فكأن هذا الفن الذي كان عند الأوساط الشعبية حراماً أو قريباً من الحرام حتى أواسط القرن العشرين، رُفِعت عنه الكثير من الاتهامات التي رافقته منذ أول نشأته. فلما جاء التلفزيون بمسلسلاته وممثليه الذين صاروا نجوماً يحوم حولهم المشاهدون، أخذ الممثل يحتل مكانة مرموقة بين الناس. وصار حلم كثير من الشباب والشابات أن يصبحوا  نجوماً يحوم حولهم الناس كهؤلاء النجوم. وصار العمل في المسرح طريقاً لنجومية التلفزيون. إضافة إلى أن الوقوف فوق خشبة المسرح بذاته فيه من الألق والتألق ما يُغري بالدخول إلى عالمه. وإذا بأرتال من الشباب والشابات تسعى للانتساب إلى مجموعات مسرحية. ولأن المسرح عموماً بدأ يحتل مكانة كبيرة في الحياة، صار الكتاب المسرحيون يحتلون مكانة رفيعة بين أصناف الأدباء، وإذا بكثير من موهوبي القصة أو الشعر ينتقلون إلى الكتابة للمسرح.
أمام هذا الإقبال على المسرح، مع قلة أو انعدام المعاهد التي تعلم المسرح، أخذت بعض المؤسسات المسرحية – مشكورة – تقيم دورات مكثفة لإحدى أشغال المسرح. وأطلقت على هذه الدورات اسم (الورشات).
وهذه الورشات شاعت بين الأوساط المسرحية العربية في السنوات العشرين الأخيرة. فثمة ورشة للتأليف المسرحي. وأخرى للتمثيل أو الإخراج أو السينوغرافيا أوغير ذلك. وتكون هذه الورشات على الأغلب ملحقة بالمهرجانات المسرحية. وتتراوح مدتها بين خمسة أيام وعشرة أيام. ويمكن لبعض المؤسسات المسرحية أن تستدعي واحداً من خبراء المسرح لإقامة ورشة حول بعض أشغال المسرح في مدة عشرة أيام أو أكثر بقليل خارج إطار المهرجانات. وقد تقوم هذه المؤسسات بإقامة دورات متلاحقة في العام الواحد.
ولا شك أن لهذه الورشات فائدة ما. فهي تعطي المشارك فيها فكرة موجزة سريعة عن موضوعها. فإذا شارك واحد أو أكثر في عدة ورشات في الاختصاص نفسه، فسوف تكون فائدتها أكبر.
ورأى ان ضرر هذه الورشات مهما كثر وتلاحق أكبر بكثير من فائدتها.متسائلا : هل نستغني عن هذه الورشات؟ وأجاب: لا. فليس هناك من سبيل لتعميم الثقافة المسرحية بين الشباب العرب المتلهفين لتعلُّم فن المسرح إلا هذه الطريقة. فالتعليم في أي مجال يقوم على قاعدة لا تتغير وهي: وجود أستاذٍ معلم وطلابٍ يتعلمون. ولإقبال الشباب العربي على تعلم فنون المسرح ، ومع قلة المؤسسات التعليمية لهذا الفن، تصبح الورشات المسرحية سبيلاً وحيداً لاستيعاب تلك الأرتال الناشئة الجديدة في تعلم المسرح.
وطالب في نهاية محاضرته الشباب العربي وعشرات الأساتذة الكبار، والمؤسسات الراعية للنشاط المسرحي،. ليُعيدوا النظر فيما يبذلون من جهد حتى لا يذهب الجهد من غير طائل، متسائلاً :هل يتغير أسلوب تعليم فن المسرح حتى يقوم الهواة بدورهم العظيم في الحركات المسرحية العربية كما قاموا به من قبل؟
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الحكيم مرزوق

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة