تحية الصباح ... اللهجة العامية في الإعلام المرئي

العدد: 
14977
التاريخ: 
الثلاثاء, تشرين الثاني 14, 2017

لعله من البديهي أن من أكثر وسائل الإعلام تأثيراً في المتلقي تلك التي تشترك فيها أكثر من حاسة فكلما كثرت الحواس المشاركة في عملية التلقي كلما اتسعت دائرة التأثير . ويأتي التلفاز في هذا المجال من أكثر الوسائل تأثيراً لماله من حضور واسع بين فئات المجتمع إذ لا يخلو منزل من وجوده،كما انه رفيق الصغير والكبير على اختلاف الاهتمامات وتباين الأذواق وبذلك تبدو مسألة الإعلام المرئي مسألة جداً هامة في مشكلة التأسيس للهجة العامية والمتابع لما يعرض على التلفاز يستطيع اكتشاف تلك اللهجة ومدى انتشارها وشيوعها على مستويات البث كله ،ومن أجل التوضيح نجد أن اللغة المستخدمة حتى في حالة إفصاحها تحاول أن تكون بسيطة سهلة أقرب إلى العامية منها إلى الفصيحة التي غالباً ماتأتي تقريرية بعيدة عن نصاعة البلاغة وفخامة التشويق وجذب المستمع ،وفي هذا السياق فإننا نستمع إلى تركيب يدور على مدار الساعة مثل «صدت القوات المسلحة هجوماً عنيفاً » و« إحباط محاولة تسلل »بدلاً من استخدام « صدت القوات المسلحة الواقفة كالجبل سيل المسلحين وأفشلت قواتنا المتيقظة محاولة زحف الأعداء المتسللين كالزواحف » مع إدراكنا أن للتراكيب المقدمة وظيفتها الإبلاغية  إلا أنه من الضرورة بمكان أن ترسخ مثل هذه التراكيب جماليات البلاغة كونها أكثر رسوخاً في الذهن وتعلقاً في الذاكرة الجمعية ونحن نعيش بهجة انتصارات متلاحقة لجيشنا العربي السوري .
وتأتي أهمية التلفاز في ترسيخ هذه التراكيب لمالها من فعل تأثيري مستمر في الزمان وخاصة مايتعلق بالإعلانات التي شكلت أكبر خطر على اللغة الفصيحة وأسهمت إسهاماً واضحاً في انتشار اللهجة العامية وشيوعها بل وتمددت تلك العامية إلى عاميات الدول والمناطق والشعوب الأخرى بفعل كثرة القنوات الفضائية ،والملاحظ يرى أن ثمة إعلانات أجنبية في أسلوبها وطريقة عرضها ويلحق بها (عملية الدبلجة) وهي غالباً ماتأتي بطريقة استجلابية في اللغة والصياغة وأكثر ما تتم عملية الدبلجة تكون بلهجة ( العامية ) وبذلك تزداد الفروقات لدى الفئات المتلقية لتلك الإعلانات عندما تعيد نطقها ما يسهم في تلك العامية ويزيد من انتشارها ولعل من أكثر ما يحقق أو حقق للعامية انتشارها ما يدور على ألسنة الشخصيات التي تؤدي أدواراً في المسلسلات التي تحظى بقبول جماهيري وانتشار واسع لدى شرائح المجتمع كله وقد يأتي المسلسل أو الفيلم معنوناً بمثل تلك العناوين ويأتي الإعلام المصري في المقدمة في تقديم مثل هكذا أفلام مثل :« تجيلها كده تجيلها كده هي كده » أو « الستات مايعرفوش يكدبو» « شيكابيكا » « راجل وست ستات » خلي بالك من زوزو « سك على بناتك »، «اللي ببالي ببالك « البنات عايزة إيه الخ ...
كما أظهرت المسلسلات والبرامج التلفازية كثيراً من التراكيب وطرحتها على المستوى الشعبي  مثل عبارة « تشكل أسي » العبارة المشهورة على لسان النسوة الشاميات في مسلسلات « باب الحارة والصالحية  وحارة القصر وكوميديات غوار » وغيره الكثير ومن هنا لابد من توجيه الإعلام توجيهاً صحيحاً وسليماً من أجل لغة عربية  فصيحة ويحقق لها حضورها الكمي والنوعي وذلك بجذب المشاهد إلى الفصيحة بالمؤثرات الفنية واختيار المادة التي تدغدغ عواطف المتلقي وتعالج المشاكل التي تواجهه وتقديم تلك المادة اللغوية بأسلوب محبب وبسيط وسهل ومراعاة النطق فيما يتعلق بمخارج الحروف وتنغيمها بما يجذب السامع والمشاهد ولابد من اختيار الإعلاميين المتخصصين لغة ونطقاً وإجادة وأن يكون قبل إجادته اللغوية ممتلكاً لذائقة لغوية فطرية ،فاللغة فطرة واكتساب.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. وليد العرفي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة