ترميـم بسـرعة قيـاسية وبـظروف استثنائيـة لإنقاذ الأجـزاء المتبقيـة قصـر الزهـراوي يتحــدى الإرهــاب ويعـود معـرضـاً للأعمـال التــراثية

العدد: 
15078
التاريخ: 
السبت, نيسان 21, 2018

كغيره من المعالم التاريخية والأماكن الأثرية المنتشرة على امتداد الجغرافيا السورية كان قصر الزهراوي في حمص القديمة هدفاً للمجموعات الإرهابية المسلحة التي أضرمت نار حقدها عليه فدمرت أجزاء وحرقت مساحات واسعة منه بغية دفن الماضي العريق وتدمير حضارة سورية وطمس معالمها..ولكن بعد عودة حمص القديمة في أيار من عام 2014 إلى حضن الوطن بهمة وبتضحيات أبطال الجيش العربي السوري, ونتيجة للمصالحات الوطنية التي قامت بها لجنة التواصل  الاجتماعي وعلى أعلى المستويات ,استلمت دائرة الآثار في حمص قصر الزهراوي وهو بحالة شبه مدمرة ... وقام المهندسون فيه وخبراء الآثار بوضع الدراسات من أجل إعادة ترميمه حتى يبقى معلماً أثرياً رائعاً ومتحفاً للأعمال التراثية والشعبية كما كان قبل بدء الحرب الضروس, وليكمل وظيفته ومهمته في احتضان المعارض الخاصة بذلك ,إضافة إلى استقبال السياح من جميع أنحاء المعمورة .. وكان التحدي الأكبر هو إعادة الترميم من نفس النسيج العمراني.
بظروف استثنائية
وفي عام 2015 بدأ العمل بإعادة ترميمه حسب ما أشارت إليه المهندسة أمل الإبراهيم رئيس قسم الهندسة في دائرة الآثار في حمص والمشرفة على مشروع الترميم  والتي أكدت أن قيمة الكشف التقديري بلغت لأعمال الترميم أربعة ملايين وثلاثين ألفاً ومئتين وأربعين ليرة سورية... وكانت مدة المشروع ثلاثة أشهر وقد أنجز العمل بسرعة قياسية وبإتقان كبير وبظروف استثنائية صعبة للغاية و ذلك من أجل إسعاف الأجزاء المتبقية وخوفاً من الانهيارات , مع التأكيد أن الكشف كان إسعافياً للأجزاء الأشد خطورة .
نتيجة مبهرة
وقد شملت هذه الأعمال إعادة ترميم قبة كان جزء كبير منها متهدماًً  وقد تم هدم ما تبقى منها بكل حرص وتأن وتدعيمها وبنائها من جديد , ويوجد بداخلها مقرنصات وعددها  12 مقرنصة متناسبة مع عدد فتحات الإنارة  ,و المقرنصات عبارة عن رسومات هندسية في عمق القبة التي  أعيد ترميمها أيضاً وقد جاءت النتيجة مبهرة حيث جاءت مطابقة للقبة القديمة التي كانت مبنية من الآجر وأعيد بناؤها بأبعاد الآجر ذاتها وتغطية القبة بالكلس والقنب وهو ما استخدمه أجدادنا , وكان آخر وجه هو الصابون مع الزيت من أجل أن يعطي لمعاناً ويحافظ على القبة من العوامل الجوية.,مشيرة إلى أنه يوجد أربع قبب في القصر وكل قبتين متناظرتان وبعد بناء القبة المتهدمة عادت تلك القبب للتناظر.
ديمومة واستمرارية
وتابعت: ويوجد غرفة  في مدخل القصر محروقة بالكامل, والسقف مكون من بدود خشبية (بد خشبي ) وهي عبارة عن أسطوانات,  و أعيد بناء سقف هذه الغرفة بعد أن أزيلت الأجزاء المتهدمة وإعادة تأهيلها , علماً أنه تم البدء بترميم السقف ووضع البدود الخشبية وفوقها دفوف وفوق الدفوف تم مد النايلون السميك منعاً لتسرب الصبة البيتونية  التي وضعت ,مع الإشارة أن الدفوف تعالج باللكر والليسلر والقطران  حتى لا تتأثر بالعت وما شابه ذلك ,وكذلك من أجل الديمومة والاستمرارية الطويلة وعدم تآكلها مع مرور الزمن.
مضيفة: إن سقف الإيوان متهدم  مع القوسين  اللذين  تهدم أحدهما  وقد تمت إعادة بنائه  بالكامل مع السقف,  كما تم ترميم الأجزاء الحاملة للقوس المتهدم( الجدران), بينما القوس الثاني تم تدعيمه فقط لأنه تهدم بشكل جزئي  , والقوس عبارة عن حجر أبيض وحجر بازلتي بالتناوب.
من المعالم المهمة      
وتفيدنا خبيرة الآثار سهام سليط أن قصر الزهراوي من المعالم المهمة في مدينة حمص، والتي تَزخر بالعديد من المواقع الأثرية و تعودُ لعصورٍ مختلفة، منها الحمامات، والسيباطات، والكنائس، والقصور، والتلال، والإيقونات.
ويقع قصر الزهراوي وسط مدينة حمص القديمة ويحمل طابعاً فريداً من نوعه في سورية، من حيث خصوصية البناء في العهد المملوكي، الذي تَركَ أثراً ضخماً يَمتاز ُبزخرفةٍ فنية عالية المهارة وقد بني في القرن الثالث عشر ميلادي(1300)م.
وتابعت: اعتبر الاختصاصيون الآثاريون والسياح الأجانب الذين زاروا القصر وجالوا فيه قبل الحرب التي شنت على بلدنا الغالي أن القصر يعتبر مدرسة تمثل روعة وجمالية عمل المهندس المملوكي.
ختاماً
من الجدير ذكره أن كثيراً من معالم القصر وأجزائه المتأثرة بالأعمال الإرهابية بحاجة ملحة لإعادة ترميمها والدائرة بانتظار السيولة المالية والموافقة على صرفها من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف لإتمام العمل والانتهاء منها ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المديرية العامة تعطي الأولوية في الترميم للمشاريع الأكثر أهمية كآثار مدينة تدمر وغيرها....
....ولابد من التذكير أن كل مقتنيات القصر التراثية والفكرية تمت سرقتها من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة قبل أن تقوم بعملها الإجرامي بهدم أجزاء منه وحرق أجزاء أخرى ...ناسية أن السوريين قادرون على النهوض من جديد من تحت الرماد.... ولن يستطيع أحد محو تاريخهم وحضارتهم , وهم قادرون على إعادة بناء ما دمرته أياديهم الآثمة الشريرة  وهاهو قصر الزهراوي في وسط حمص القديمة يفتح أبوابه من جديد بعد ترميمه وقد ضم بين جناحيه أربعة معارض على فترات .

يُقسم قصر الزهراوي إلى خمسة أقسام دلت عليها التحريات الأثرية التي أُجريت للقصر عام 1990، وأسفرت عن وجود مدفن بيزنطي تحت الأقبية في الجناح الجنوبي من القصر، كما يوجد قبوان تحت الأرض وفوقها قبوان آخران في الجهة الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية بناؤهما بيزنطي.
أما القسم الثاني من القصر فهو بناءٌ أيوبي، وأوائل العهد المملوكي حيث تم بناء الأجنحة الثلاثة المطلة على الفناء الداخلي، والقسم الثالث أُنشئ للحاكم، والرابع كان زاوية للشيخ موسى الزهراوي قبل عام 855 هجري، أما القسم الخامس والأخير فهو القصر الغربي الذي اسّتعمله عبد الحميد الزهراوي كمركز للتوعية الحضارية والعلمية والسياسية ضد الاحتلال العثماني  في أوائل القرن العشرين.
وعند الولوج إلى داخل القصر عبر ممر يؤدي إلى فسحة سماوية ترى الأجنحة الموزعة على مدار القصر، والطابقين السفلي والعلوي.
وتميزت مباني القصر بصغر حجمها مع وجود فناء، وفي عام 1990 كَشفت دائرة آثار حمص صهريجاً مائياً طوله 4 أمتار وعرضه 4 أمتار وعمقه أيضاً 4 أمتار لحفظ المياه، حيث قامت الدائرة ببناء البركة المائية الحالية المثمنة الشكل من الحجر البازلتي، وكان يجد الزائر أن القصر تزينه الضفائر والأشرطة بما فيها من كتابات حجرية مزخرفة ومنقوشة على الحجر الأبيض والأسود، كما استعمل الخشب بطريقة الحفر مع استعمال الرسوم الهندسية المدهونة بالأصبغة في السقوف والجسور والعوارض.

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
مها رجب تصوير: سامر الشامي