سؤالان لحزمة أجوبة

العدد: 
15083
التاريخ: 
الأحد, نيسان 29, 2018

في التعداد هما سؤالان ، وفي الأجوبة الدقيقة ، المفصّلة ، هما حُزمة من الأسئلة ، وهذا قيد ، بقدر ما هو فضاء ، فأنا لا أعرف الحجم المتاح للتفصيل، ولكنّي أستهدي بما هو شائع في الصحافة اليوميّة، ولذا سأحاول التكثيف بقدر ما أسعى ألاّ أُغفل شيئاً ،
 1- الذي قد لا نختلف فيه كثيراً أنّ ( العلّة ) ليست في “الانطولوجيا” ، ولا في  -فكرتها ، فالعمل مشروع ، والفكرة جديرة بالاهتمام ، بل ومطلوبة ، والواقع الذي نحن عليه في هذا القطر أنّنا مقصّرون في هذا السّياق ، ولقد سبقتْنا إليه أقطار عربيّة عديدة ، ولست أعني المؤسّسات فقط ، بل الأفراد الذين يشتغلون في النّقد ، ..
2-  الفكرة السّابقة تستدعي سؤالاً ، لابدّ منه ، على ما فيه من سذاجة ، وهو “ هل لدينا شعراء ؟
والجواب الذي لا نختلف عليه ، بل الاختلاف في تفصيلاته ، ففي الإجابة العامّة ، أنّ سوريّة تعجّ بالشعراء الحقيقيّين ، ففي مدينة واحدة كحمص مثلاً، من الشعراء الحقيقيّين مالا يوجد، ربّما ، في قُطْر له عَلَمه، ولفتة صغيرة إلى الجوائز التي حصدها الشعراء السوريّون في مسابقات دولة الإمارات ، - وهي من أبرز علامات الاهتمام بالثقافة ، في الثلاثين سنة الأخيرة ، - لفتة صغيرة تكشف لنا الحجم المميّز الذي يحتلّه الشعر في سوريّة على خارطة الشعر العربي ،
إنّ ما سبق ، حين لا ننسى ما نحن بصدد الإجابة عنه ،  يشير إلى علّة ما ، تُرى أين هي هذه العلّة ؟ فيما أرى أنّ العلّة تكمن في مستويين رئيسيّين هما :
- في مواقع الثقافة والإعلام ، ولا أريد التّفصيل ، فقد فصّلتُ في ذلك أكثر من مرّة ، وأفاض غيري، فالاهتمام في هذه المواقع،  ليس بحجم الإبداعات ، ولا يعني هذا أنّني أساوي بين هذه الجهات ، فبعضها أكثر اهتماماً من البعض الآخر .
- في الموقع النّقدي ، وهذا يشمل النّقّاد ، والذين يتحرّكون في فضاء النّقد ، كما يشمل الذين عُهد إليهم بالإشراف على الصفحات والمواقع الثقافيّة ، ويمتدّ إلى المواقع الأكاديميّة ، التي مجال عملها في القضايا الإبداعيّة الأدبيّة ، في جامعاتنا في سوريّة .
هذه العلّة التي أشرنا إليها ، في مواقعها ما سببها؟
ثمّة سببان رئيسان ، كما أرى، هما : سبب أخلاقي ، وآخر أيديولوجي ،
على مستوى السبب الأخلاقي ، أغتنم الفرصة وأشير إلى أنّ ما يمكن أن يُطلق عليه مصطلح الأخلاق البورجوازيّة ، - هذا على افتراض صحة المصطلح ، ودقّته – فقد تعاملت تلك البورجوازيّة مع الإبداع ، بما هو إبداع ، واستقبلت صحفها ، ومجلاّتها قصائد الشعراء، ناظرة إلى قيمتها الفنيّة لا غير ، واستمرّ هذا إلى ما بعد منتصف خمسينات القرن العشرين بقليل ، ولا يزايدنّ أحد عليّ بأنّني أشيد بالأخلاق البورجوازيّة ، فأنا مع العدالة الاجتماعية ( الاشتراكية ) حتى النّخاع ، ولكنّ هذا لا يعني أنّني أغمض عينيّ عن الوضيء حين يكون في خانة أخرى ، وإلاّ نكون قد سقطنا فيما سقط فيه الآخرون ، وما زلنا نحصد نتائجه ، وهذا الباب يوصلنا إلى السبب الثاني :الأيديولوجي،
لقد دخلنا إلى الزّنْقة الأيديولوجيّة بعينين مفتوحتين ، وأرجو ألاّ يُفهم أنّ هذا القول ضدّ أيديولوجيا معيّنة ، فنحن كبشر لا نستطيع التّخلّص من الأيديولوجيا، ولكنّنا نستطيع أن نكون شجعاناً في رفض كلّ ما هو غير إنساني ، حيث يوجد ، من ادّعاء امتلاك الحقيقة إلى الأحاديّة الباترة ، كما أرجو ألاّ يُفهم مما سبق أنّ ذلك التشدّد الأيديولوجي جاءنا من الخارج فقط، ونحن لولاه كنّا بألف خير ، ففي تاريخنا ، كما في تواريخ غيرنا من العمى الأيديولوجي، والفئوي ما فيه ، وهذا ليس قدحاً بمجمل حضارتنا العربيّة الإسلاميّة ، بل هو تحديد للخانات العاتمة ، وثمة من الحوامل الثقافيّة ، والاجتماعية القارّة في الذّهن ، أو الماثلة ، ما ساعد على نموّ ذلك الجرثوم ،
لقد حصدنا مرارات التشنّج الأيديولوجي على صُعد متعدّدة ، ولعل أبرز صورها تتمركز في مساحة التّكفيريّين ، وأصحاب العين الواحدة ، الذين يرون جيداً ، فهم ليسوا عميانا ، بيد أنّهم لم يستطيعوا التّخلّص من الطفولة المريضة ، وحبّ الذات ، فأنت رائع ، ومبدع ، وجميل حين تكون مثلهم ، فإذا اختلفت معهم ، ولو قليلاً ، فأنت مطرود من تلك الجنان ، ويجب قَتْلُك ، ويحلّ قطع رأسك ، إمّا بقطعه ماديّاً ، أو معنويّاً ، بتجاهلك و بتمويتك ، برفضك ، تطبيقاً لمبدأ مخيف:” إنْ لم تكن مثلي قتلتُك “ ،
إنّ الكلام السّابق لا يسعى لتجنّب الإجابة المباشرة ، فقد سبق أن كتبت في هذا ، بيد أنني وجدتُها مناسبة لإعادة تشخيص المرض ، فالتّقصير ، موجود أكاديميّاً ، في جامعاتنا كلّها ، وهذا الواقع لا يلغي أنّ ثمة بوادر طيّبة ولافتة ، لمسناها في جامعة (البعث) ، على  يد عدد من أساتذة النّقد الحديث تتّجه لدراسات نقديّة أكاديميّة تهتمّ بشعر الحداثة في حمص ، وبشعرائها ، وهذا عمل يستحقّون عليه كلّ الشكر ، والتّقدير .
إنّ كلّ ما قيل من تقييمات في انطولوجيا الشعر في سوريّة هو صحيح ، بنسب متفاوتة ، وخاصة في الدراسات التي شملت شعراء الستّينات وما بعدها ، فلقد لعبت فيها الأهواء ، والمزاجية ، والميل الشخصي المبالغ فيه .
صحيح أنّنا لا نستطيع أن نلغي ذواتنا كليّة ، في النّقد ، بيد أنّنا نستطيع أن نكون حازمين في مراقبة ميولنا ، كيلا تجرفنا إلى وهاد لا يعود للنقد أيّة علاقة بها، وهذا ما حدث في (معظم) تلك الرّزمة من الكتب التي صدرت ، ومن هنا كان فظّاً تغييبُ المدارس الشعريّة التي لا ينسجم معها الدّارس، فجاءت الدراسات غير عادلة ، في معظمها ، والخطورة أنّها صدرت ، وكُرِّست ، وستبقى شاهداً ، فكم يحتاج ما علق بها إلى جهود حازمة وبصيرة لإنصاف الذين ظُلموا فيها ، ولِوَضْع الذين طُوِّبوا فيها على غير جدارة كافية ،.. لِوضعهم في مكانهم الحقيقي.
لقد كانت بعض المساحات فيها توليفيّة ، وانتقائيّة ، ومزاجيّة ، هذه الصفات غير الطيّبة ترتسم في أكثر من فضاء حتى الآن ، دون أن تثير انتباه من يجب أن يتنبهوا ، ولا أستعدي أحداً ، ولكنّني أطالب بقليل من العدل ، حتى لكأنّ الفساد الذي نشكو منه في مواقع الوظيفة ، والأداء ، والإنتاج ، وعقد الصفقات،  هو غيره في الأدب !!
أعتقد أنّ الأزمة في جوهرها هي أزمة أخلاقيّة بامتياز...

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم