الموسيقا عطر الإبداع

العدد: 
15093
التاريخ: 
الثلاثاء, أيار 15, 2018

الموسيقا هي فاكهة الفنون وعطر الإبداع وعوالم السحر وفردوس الخيال فالموسيقا تنساب كالحلم الجميل وتسافر كالورود على وجه الماء وهي غذاء الروح فهل للمرء أن يتخيل الحياة من دون الموسيقا؟!!. ومما لاشك فيه أن أعظم عمليات الإبداع هي الموسيقا وبالتالي فإنها أكثرها وجعا ً ومعاناة وإحساسا ً وإيلاما ً ونشوة والموسيقا هي الحياة القصوى لأنها تبعدنا عن الموت الأقصى كونها تريح النفس المتوترة وتبعث الطمأنينة فيها وهي الخلاص والمفرّ والحلم والحب والصفاء واللذة النقية والدعوة إلى عالم آخر جميل أثيري ناعم رقيق متصاعد ساحر وجذاب.  
 وحين تهب العواصف داخل الموسيقي تجتاحه رياح إبداعية تأخذ بطريقها كل شيء ، صهيل جياد جامحة ، أعاصير وزوابع يرتجف لها كائنه ثم تمطر داخله مطرا ً تعبيريا ً موسيقيا ً ، هذا الشتاء الإبداعي قد ينتج أيضا ً عن تكثف ضباب ما أو اختمار ما داخل نفس الموسيقار فيهطل هذا المطر الإبداعي الداخلي الذي منه ما يتناثر ويتبخر ويبقى في ذاكرة الكون الموسيقية ومنه ما يتجمد ضمنه نوطات تُجسده فيُمسي سمفونية أو سيرنادا أو كونسيرتو أو ..... ولكل مبدع طريقته في الإبداع وزمانه ومكانه فإن كان الرسم والنحت يحاكيان موضوعات تبدو مشابهة لموضوعات طبيعية أو نمطها مستعار في جوهره من الطبيعة فإن من المسلم به أن الموسيقا تأخذ مسارا ً مختلفا ً تمام الاختلاف فذاتية الفنان العميقة تتحقق في الإبداع الموسيقي نسبة لعبقريته وقريحته لأن العبقرية هي سهولة الخلق والمهارة الفنية الخارجية أي تحقيق الشكل لذلك فالعبقرية والإلهام يحتلان موقعا ً من الأهمية عند المبدع الموسيقي والخيال أيضا ً فالموسيقي يخلق من العدم باستثناء بعض المعزوفات التي تحاكي أصواتا ً أو حالات معينة في الطبيعة ، يلجا الفنان الموسيقي إلى حدسه وأعماقه ومعاناته وفكره وخياله أثناء عملية التشكيل أو الإبداع وليس لمحاكاة المناظر الطبيعية لذلك فالموسيقا هي أكثر الفنون سحرا ً ونقاوة وسموا ً وتأثيرا ً بالنفس البشرية لأن الموسيقا اجتياح وتصاعد يتخطى حدود الجسد والأذن وهو اجتياح متناسق متوافق متناغم لذلك هي أكثر الفنون تساميا ً لأنها تنقل الإنسان من عالمه العادي المادي إلى عالم سحري أو عوالم سحرية رائعة تتم عبر سماعه لها فلا فن يسحر أو يجتاح أو يحول الإنسان كالموسيقا حيث يشعر المرء بنفسه ينتقل بسعادة وسمو من كونه الصغير الذي هو جسده إلى أكوان مختلفة تسبح فيها النفس وتهيم في فضاءات لا حد لها ولا حصر بل إن حلم الإنسان الأزلي بالطيران يتحقق عن طريق الموسيقا أي عبر سماعه لها فهو بذلك يتخطى وزنه وجاذبية الأرض له ويهيم في أكوان شاسعة ونقية والحزن واليأس يشعر الإنسان نفسه فيهما سجينا ً متشنجا ً وهذا ما يخلف لديه نوعا ً من الكآبة التي تدعو الإنسان العبقري إلى الإبداع أو لنقل أنها سبب من أسباب الإبداع وبكل الأحوال تكون الموسيقا هي حقيقة عطر الإبداع .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
يوسف بدّور