افتقاد لأولويات العمل ....المسلخ البلدي بلا مياه وكهرباء .. السيـارات المبرِّدة بانتظـار الصيـانة... و اللحـوم تُـنقل بطـريقـة بدائية

العدد: 
15106
التاريخ: 
الأحد, حزيران 3, 2018

إن ازدياد حالات الغش والتدليس في بيع اللحوم عند القصابين جعل لتناول اللحوم لدى الكثير من الأسر في مجتمعنا خصوصية معينة مما تجعل بعض المواطنين يعزفون  عن شراء اللحوم الحمراء (غنم – عجل – بقر) والاستعاضة عنها باللحوم البيضاء (الفروج), بسبب  التخوف من مصدر اللحوم الحمراء وعدم تشديد الرقابة الصحية على طريقة ذبحها وبيعها  .
وفي حمص من المفترض أن يتبنى المسلخ البلدي المعروف عملية الذبح والإشراف عليها ويأخذ على عاتقه مسؤولية تزويد محال القصابة باللحوم المذبوحة وبإشراف صحي ...لكن وللأسف لا يقتصر الذبح على المذبح البلدي فهناك مذابح عشوائية كثيرة تنتشر في أرجاء المدينة تقوم بتزويد العديد من محال القصابة باللحوم دون أية رقابة صحية.
وهنا تكمن المشكلة ففي جولة على الأسواق أكد  لنا بعض المواطنين أنهم يعزفون عن شراء اللحوم الحمراء بسبب اعتياد القصابين على الغش , فبالإضافة إلى أسعار اللحوم  المحلقة التي تمنع  أصحاب الدخل المحدود من شرائها فإن للقصابين وأصحاب النفوس الضعيفة الذين يذبحون ذبائح غير مراقبة صحياً في أقبية البيوت وفي العشوائيات دوراً أساسياً في مقاطعة اللحوم, وبالتالي غياب وجبة اللحوم عن كثير من الموائد رغم أهميتها ,أو يتم الشراء من قصاب محدد أكدت التجربة أنه يبيع لحوماً مذبوحة في المذبح البلدي ومراقبة صحياً ,والتأكيد على الختم الممهورة به ...وكل الخوف من قيام  البعض بغش الختم والقيام بمهر الذبيحة المخالفة  (بطريقة ما), وهنا تقع الطامة الكبرى على حد تعبيرهم.

توقف لمدة أربع سنوات
وكما هو معروف فإن المذبح البلدي توقف عن العمل لمدة أربعة أعوام (2012 -2016) بسبب الحرب الكونية التي أثرت على جميع مناحي الحياة حيث طالت يد الإرهاب أغلبية المؤسسات والدوائر فخربت ما خربته ودمرت ما دمرته.
تأهيل إسعافي
قمنا بزيارة المسلخ وتجولنا في أقسامه للوقوف على آلية العمل في الظروف الصعبة والاستثنائية التي يعمل فيها على حد تعبير الدكتور أحمد الخضر رئيس دائرة المذبح البلدي في مجلس مدينة حمص الذي التقيناه ونقل لنا مع العمال آلية عمل المسلخ والصعوبات التي يعانون منها ...
فحدثنا قائلاً: خرج المسلخ عن الخدمة بسبب تعدي المجموعات الإرهابية المسلحة عليه, وقد تم تأهيله بشكل مبدئي وإسعافي (إن صح التعبير) وتم التعاقد مع مؤسسة الإسكان العسكرية لإعادة التأهيل بشكل كامل بعقد تبلغ قيمته 33986080  ليرة سورية وهذا المبلغ غير كاف لإعادة تأهيل المذبح بشكل كامل, مع الإشارة أن أولوية العقد المبرم هو لتأمين المياه والكهرباء ولتركيب الأبواب والنوافذ وصيانة أرضية المذبح.   
خلوها من الأمراض
وتابع: يتم العمل ضمن الإمكانيات المتاحة حيث تُستقبَل الذبائح وتُفحَص طبياً ويُحدد الصالح منها للاستهلاك البشري ليتم طرحها بالأسواق وإتلاف الغير صالح أصولياً....حيث يتم استقبال الرؤوس المعدة للذبح بشكل حي وهي ذكور العواس والماعز والعجول وإناث الأبقار (الغير اقتصادية للتربية),و يتم فحص تلك الرؤوس قبل الذبح للتأكد من خلوها من الأمراض السارية ويتم الإشراف على ذبحها, كما يتم فحصها بعد الذبح وختمها بالختم المناسب لكل منها, فختم ذكور العواس لونه أحمر, وختم ذكور الأبقار أخضر وختم إناث الأبقار أسود ويختم الماعز بلون بني ,كما يوجد أختام لأغنام البيلا والجمل ,لكن لم يتم ذبحها في المذبح حتى تاريخه ,وفي حال توفرت في المستقبل سيتم استقبالها وذبحها وختمها حسب الأصول .
أعداد قليلة
يذكر أن أعداد الذبائح التي تطرح في الأسواق قليلة ففي شهر نيسان الماضي بلغ عددها 51 رأس بقر, و18 رأس عجل, و472 رأس ذكر عواس, و105 رأس ماعز و73 رأس جدي.
و هذه الأعداد قليلة نسبياً على حد تعبير الدكتور الخضر ,والسبب هو قيام البعض بالذبح خارج المذبح  في المذابح العشوائية ,وقد تم اتخاذ إجراءات للحد من هذا الأمر وهي تشديد الرقابة الصحية في محال  بيع اللحوم (القصابة) وعدم السماح لذبحيات مذابح البلديات الأخرى بالتوريد إلى أسواق المدينة, حيث يتم بيع اللحوم التابعة لمذبح مجلس مدينة حمص فقط و مذبح رقم 2 الواقع في قرية خربة التين كونه أبرم عقداً مع مجلس مدينة حمص.
لجنة تنسيق الأبقار
 وباللقاء مع بعض أصحاب محال القصابة المتعاملين مع المذبح البلدي القليل عددهم جدا ً بالمقارنة مع عدد محال القصابة المنتشرة في المدينة ,بيّن القصابون أنهم يعانون من نقص كبير في الخدمات بالمذبح ومن ارتفاع رسوم الذبح وفي حال وجود ذبح اضطراري فإن هذه الرسوم ترتفع تلقائياً .
وعن سبب هذا الارتفاع بيّن الدكتور الخضر أنه لا يوجد لجنة لتنسيق الأبقار في المذبح وبالتالي فإنه لا يتم إلا ذبح الأبقار الاضطرارية مما يزيد من قيمة الرسوم المفروضة على القصابين وكافة الرسوم تدفع مقابل إيصال رسمي موقع ومختوم يمنح للقصاب بعد وضع أختام المذبح على الذبيحة .
تخفيض طبيعة العمل
 كشف العاملون في المذبح أنهم لا يحصلون على حقوقهم كاملة , فاللباس اقتصر على بدلة عمل وحذاء , ولمرة واحدة في العام وتم إلغاء منح الشماخ والقفازات ,أما الوجبة الغذائية التي كانت تمنح للعاملين على شكل بيضة عدد 2 وربع كيلو حليب يوميا ً فقد ألغيت وأصبحت مبلغا ماديا مقداره / 9000 / ليرة سورية سنويا ً ,كما تم تخفيض طبيعة العمل من / 60 % إلى 40 %   مع العلم أن عمال المذبح يستمرون بالعمل على مدار العام دون أي عطلة حتى في المناسبات والأعياد الرسمية ,أما المشرفون الصحيون في المذبح فلا يمكن معرفتهم إلا بالسؤال عنهم رغم وجودهم في المذبح كونهم لا يلبسون اللباس المخصص « مريول أبيض وحذاء » وبين العاملون في المذبح أنهم غير مشمولين في التأمين الصحي فلا يوجد طبابة إلا لأصحاب الأمراض المزمنة والدائمة ,كما أشاروا إلى عدم وجود مياه للشرب, مما يضطرهم  لحمل المياه من بيوتهم الى المذبح .
إتلاف بالمازوت
وعن أسباب انتشار الروائح الكريهة ووجود أعداد هائلة من الحشرات الضارة التي تغط باستراحاتها على أجساد الذبائح بكثافة , أوضح عمال المذبح أنه إضافة للنقص الكبير بأعداد العمال لا يوجد مواد تنظيف  كافية فالكميات التي يرسلها مجلس المدينة قليلة جدا ً , ورغم المطالبات المستمرة بزيادة الكميات لم يتغير الوضع ويضاف لنقص مواد التنظيف عدم وجود مادة المازوت الضرورية لإتلاف الذبائح الغير صالحة للاستهلاك البشري والتي من الممكن أن تبقى فترة طويلة دون إتلاف ريثما يتم تأمين مادة المازوت .
ورداً على سؤالنا المتعلق بنظافة المذبح وترحيل الأوساخ منه أجاب الدكتور الخضر : يتم ترحيل النفايات الصلبة من المذبح البلدي بشكل يومي بواسطة جرار زراعي (تابع للمذبح) إلى مكب النفايات في تل النصر...وهذا ما يثير الاستغراب !(والكلام للمحررة)... فهل يعقل أن تُرحل فضلات ونفايات مذبح عن طريق جرار زراعي بدلاً من سيارة ضاغطة؟ فالنفايات هنا ليست عادية وممكن أن يقع بعض منها وهي في طريقها إلى المكب , وتشكل بؤرة و تؤثر على البيئة سلباً بشكل كبير... والمذبح البلدي يتبع إدارياً لمجلس مدينة حمص وأن التعاون بين مديرياته يجب أن يكون بأوجهِ, فلماذا لا يتم فرز سيارة ضاغطة إليه من مديرية النظافة التابعة هي أيضاً لمجلس المدينة ؟!... سؤال نضعه برسم ذلك المجلس.
كما يتم ترحيل المنصرفات السائلة بشكل دوري من الحفرة الفنية الموجودة قي المذبح وذلك بآليات  شركة الصرف الصحي.
شجون ومنغصات
وأضاف: يعاني المذبح من نقص في الكادر الفني والعمال ,كما يعاني من عدم وجود المياه والكهرباء والآليات والأثاث حيث يتم تزويد المذبح بالمياه عبر صهاريج من مديرية الحدائق التابعة لمجلس مدينة حمص وهذه الصهاريج لا تسد الحاجة ولا تلبي الطموح ,فكما هو معروف أن طبيعة عمل المذبح تحتاج إلى كثير من المياه للتخلص من نواتج الذبح و تنظيف المكان ولكن... ليس بالإمكان أكثر مما كان؟! ولا يقتصر الأمر على عدم وجود مياه فهناك افتقاد لساعة كهرباء أيضاً.
 وأكد مدير المذبح أن مجلس المدينة بصدد تجهيز آليات مبردة خاصة بنقل اللحوم ,إلا أنه حالياً يتم نقلها بسيارات يؤمنها القصابون ريثما يتم تجهيز السيارات المبرّدة وتوضع في الخدمة , و للأسف إن السيارات التي يتم النقل بها غير مجهزة “مبردة” إلا أنه يتم الإشراف على نظافتها وتعليق اللحوم فيها وكذلك تركيب شوادر لها ,وهذا الإجراء إسعافي ,علماً أنه سابقاً كانت توجد سيارات مبردة وخرجت عن الخدمة بسبب تعدي المجموعات الإرهابية المسلحة عليها وهي بانتظار الصيانة والإصلاح.
طبيب واحد
يوجد طبيب بيطري  واحد في المذبح الذي (هو المدير ) ومراقب صحي ومراقب بيطري ويبذل الكادر الفني والعمال البالغ عددهم (7) فقط بما فيهم مراقب الدوام  قصارى جهدهم لإتمام العمل رغم كل الظروف الصعبة وذلك بالتعاون مع دائرة الشؤون الصحية ودائرة الرقابة الصحية في مجلس المدينة.
وفيما يخص السقطات (الكبد والرئتان والقلب والكلية والكرشة والأمعاء والأقدام والرؤوس) فإنه يتم بيعها من قبل القصابين إلى مستثمر يقوم بتنظيفها ويبيعها بدوره للمستهلكين ,والمشكلة أن هذه الأجزاء عرضة للتلف والتعفن أكثر من غيرها لذلك يجب تنظيفها بشكل فوري بعد الذبح مباشرة على حد قول المدير, والتدقيق على فحصها ونقلها أيضاً.
صالة واحدة
مضيفاً: يوجد في المذبح ثلاث صالات إلا أنه يتم العمل في صالة واحدة فقط بعد خروج صالتين عن الخدمة لأنهما تعرضتا للتخريب على أيدي المجموعات الإرهابية المسلحة ,كما يوجد غرف أخرى غير مؤهلة وثلاثة آبار غير مؤهلة أيضاً ...
مع التذكير أن المذبح فني يدوي وليس آلياً, و نطمح أن يصبح آلياً فهذا بالطبع يوفر الجهد والوقت , كما يوفر لحوماً آمنة للمستهلكين.
بقي أن نقول :
من خلال جولتنا على المذبح البلدي تبين لنا عدم وجود أي مقومات فعلية لإنجاح العمل وانه مكان غير مجهز صحيا لذبح المواشي وتوريدها إلى السوق ليصار إلى استهلاكها بشريا ً , ومن يزر المذبح يدرك فورا ً أن الجهات المسؤولة عنه غير مكترثة بأمره  نهائيا  , فكيف إذا علمنا بوجود / 4 / مذابح خاصة حازت على تراخيص؟ .
وفيما يخص المواطن فيبقى هو الفيصل في عملية تحديد اللحوم الجيدة والآمنة من خلال شرائه من ذبيحة ممهورة بختم المذبح البلدي , وتقديم شكوى في حال لمس مخالفة ما ,مع الإشارة أن إدارة المذبح والدائرة الصحية على استعداد تام لاستقبال الشكاوى والملاحظات لتحسين العمل  فالمواطن شريك في عملية بناء الوطن.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
مها رجب – يوسف بدور