هكذا تعلمنا !!

العدد: 
15129
التاريخ: 
الأحد, تموز 8, 2018

عندما تسأل أحد الهنود لماذا تقدسون بوذا ؟! فسيجيبك على الفور : هكذا تعلمنا .. وإذا سألت أحد الصينيين لماذا تعبدون زارادشت ؟! سيقول لك .. هكذا تعلمنا .. هذا هو الجواب .. حتى لو كان الأول لا يعلم شيئاً عن بوذا .. وحتى لو كان الثاني يعلم كل شيء عن زارادشت .. ولو أحرجت أي إنسان حول قناعاته وإيمانه وعباداته .. وأوضحت له خطأ قناعاته فهو في النهاية سوف يقول لك : هكذا تعلمت ..
وبنظرة سريعة إلى حياتنا .. تجد أن جميع الناس .. من جاهلين ومثقفين .. وأميين ومتعلمين .. إلى العلمانيين أو البويهيين .. المتخلفين منهم .. والمتمدنين .. العاملين .. أو المجانين .. أو من فلاسفة ورعاع .. هؤلاء جميعاً قد تعلموا أموراً خاصة بهم في منازلهم أو مجتمعاتهم .. وتعلموا عقائد خاصة بهم .. أو عادات .. يظنون معها أن جميع أنواع البشر على خطأ .. بينما هم فقط على حق .. وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الصحيحة.. وبقية تقاليد الأمم خاطئة .. ولو أحضرت لهم سقراط وأفلاطون وفيثاغورس  وجميع فلاسفة العالم.. وناقشوهم حول خطأ مفاهيمهم لما اقتنعوا أو حادوا قيد أنملة عما تعلموه !!. لأنهم سوف يقولون لك في النهاية : هكذا تعلمنا ..
لماذا كل هذه المقدمة الطويلة ؟! الجواب من خلال ما يلي :
1- معظم أسباب الإسهال عند الأطفال هو التهاب الأمعاء .. والسبب غالباً جرثومي .. أو فيروسي .. ومن المعروف طبياً أن إعطاء المضاد الجرثومي .. سوف يزيد الحالة سوءاً رغم أن السبب  هو جرثومي .. لأن المضادات الجرثومية سوف تقتل الفلورا المعوية الإيجابية .. أي تلك النافعة لجسم الإنسان .. وبالتالي فإن قتل هذه الفلورا سوف يؤدي لزيادة الإسهال عند الأطفال فوجئت في أحد المشافي أن أي طفل يدخل المشفى .. فإن الأطباء المقيمين .. يحقنون الأطفال على الفور مضاد جرثومي !! وذلك ضمن كيس المصل .. وعندما سألتهم عن ذلك ووضحت لهم خطأ  تصرفهم .. كان جوابهم .. هكذا تعلمنا.. إذا كان الخطأ من الأطباء الذين سبقوهم أو علموهم .. ولو جاءهم أبو قراط ومعه أم قراط .. وابنهم قراط .. لكي يغيروا قناعاتهم لما غيروها !!
2- من المعروف أن معظم الأمراض الشتوية عند الأطفال هي بسبب فيروسي .. والفيروسات لا تستجيب للأدوية المضادة للإنتان .. وهذه الأدوية جرت العادة على تسميتها بأدوية الالتهاب .. وهذا خطأ شائع .. المهم .. والغريب في الأمر ليس إعطاء الأهل مضادات الالتهاب لأطفالهم .. بل الغريب أن يقوم أطباء الأطفال بوصف المضادات الجرثومية لطفل مصاب بالرشح أو الكريب .. والأغرب من هذا وصف أكثر من مضاد جرثومي .. لمريض مصاب بالتهاب قصبات فيروسي !! ولا يعلم هؤلاء الناس من أطباء أو أهال .. أن كثرة الأدوية المضادة للإنتان تؤدي إلى نقص مناعة الجسم .. وإضعاف الجهاز المناعي بشكل عام .. أيها الزميل الطبيب هل تعلمت في الجامعة أن يعطى المريض المصاب بالكريب الفيروسي مضاد جرثومي ؟! أم هكذا تعلمت من الأساتذة خلال اختصاصك في المشفى ؟! أم أن هؤلاء الأطفال لا يهمك أمرهم .. ونقص مناعتهم .. طالما هم ليسوا أطفالك ! وجهازهم المناعي ليس بجهاز أولادك !
3-  كيف كان الأطباء قبل عهد القثطرة والشبكات .. يعالجون مرضاهم المصابين بالاقفار أو التأذي أو احتشاء العضلة القلبية ؟! وللعلم فإن الإقفار يطلق على ضعف التروية الدموية للقلب .. والتأذي هي مرحلة أكثر تقدماً من الإقفار حيث تبدأ العضلة القلبية؟ بالتأثر أكثر من نقص التروية .. والاحتشاء معروف .. وهو انسداد وعائي كامل وحدوث الجلطة .. إذاً كيف كان العلاج قبل عهد القثاطر والشبكات ؟! كان بالإقلاع عن التدخين وتجنب الأغذية المسببة لارتفاع الشحوم والكولسترول .. ثم بالأدوية ...
للأسف ..هناك أطباء يحملون الشبكات تحت إبطهم .. ليزرعوها لأي مريض يعاني من نقص تروية .. حتى لو كان بسيطاً ويمكن علاجه دوائياً ربما يقول البعض لكل زمان علاجه .. وقد تقدم العلم .. للأسف مرة أخرى تقدم العلم .. فيما نحن  نتخلف عنه .. إنسانياً .. ألا تعلم أيها الزميل مدى الرضى النفسي الذي تخلفه عند مريض تزرع له شبكة قلبية .. وهو لا يحتاج لها ؟! ألا تعلم أن أي عادة طبية خاطئة .. سوف تصبح عادة لديك بسبب كثرة الوقوع فيها ؟! فأي عادة يتعلمها الإنسان حتى لو كانت خاطئة .. سوف تغدو عملاً طبيعياً مع الزمن .. ولا سيما عادة الجشع وعدم التفكير إلا ( بالمصاري ) .. هكذا تعلمنا !!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.نصر مشعل