تحية الصباح...العين في عين الشعراء

العدد: 
15133
التاريخ: 
الخميس, تموز 12, 2018

لقد استحوذت العين على اهتمام الوعي المشترك الجمعي لدى شعرائنا القدماء والمعاصرين على حد سواء، وإنَ نظرة قارئة لشعرنا في هذا الموضوع يلاحظ مدى استحواذ العين على الشعر العربي كماً ونوعاً  حتى يخيل للمتأمل في هذا الكم من شعرنا في العين أنَ الشعر العربي قد استلهم جله منها ، وليس ذلك بمستغرب ، إذ إنَ العين مرآة النفس ، وبوابة العبور إلى داخل الآخر فإن النظرة لها دلالتها وفق الموقف الانفعالي الذي تكون فيه لدى كل من طرفي الموقف الذي تكون فيه العين وسيلة التعبير ، وأداة التواصل الناطقة عبر تسلسل الكلمات الصامتة ، وفي موقف الحب تبدو اللغة الصامتة هي اللغة القادرة على الإفصاح والإبلاغ والإفهام ، وتلك الوظائف الثلاث هي من أهم وظائف اللغة المنطوقة عبر الحروف في انتظامه مع غيره من الحروف التي تشكل الكلمات والجمل في تعبيرها عن خطاب ما ، وقد أكد العلم الحديث وفق إحصائيات التواصل عبر الحواس أنَ المعلومة تصل إلى المخ في المشاهد المرئية بما نسبته  83% بالمائة بوساطة العين وما نسبته 11% بالمائة عن طريق الأذن ،والباقي لبقية الحواس ، وقد تعددت الصفات للعين مثلما تعددت دلالات استحضارها في شعرنا وأذكر أن الشاعر المرحوم سليمان العيسى سئل مرة عن أجمل ما قيل في العيون فرد بترديد قول المتنبي :

             لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي          وللحبِ ما أبقى السقام وما بقي

           وما كنت ممَن يدخل العشق قلبه        ولكنَ من يبصرْ جفونك يعشق

ولا يغيب عن البال أن العين كانت منذ بداية الخلق هي الأكثر قدرة على التعبير في صمتها وأشد دلالة خاصة في المواقف العاطفية ، ومشاهد الحب فهي البوصلة الوحيدة التي تحدد سمت الدلالة ، وإشارة التوصيل وقد عبَر الشعراء عن قدرة العين التي تستطيع أن تعبر بالنظرة ما يفوق قدرة الكلمة لما للعين من قوة ، وهذا شاعرنا امرؤ القيس يردد في معلقته في بيت هو من أشد حالات التأثير للعين على النفس وما يمكن أن تفعله في الآخر :

           وما ذرَفتْ عيناك إلا لترتمي           بسهميك في أعشار قلب مقتَل

وإذا كان امرؤ القيس يرى قوة تأثير العين في حالة البكاء ،فإنَ العين التي تمتلك تلك القوة على الفعل لدى الشاعر جرير هي العين الحوراء التي تغزل فيها بقصيدته النونية

         إنَ العيون التي في طرفها حورٌ         قتلننا ثمَ لم يحيين قتلانا

        يصرعن ذا اللبِ حتى لا حراك به    وهنَ أضعف خلق الله أركانا

وللمتنبي مجاله في وصف العيون التي يرى من خلالها صفة انتساب يقول :

           خزاعيَة الأطراف مريَة الحشا         فزاريَة العينين طائيَة الفم

وفي معرض وصفه لقوة تأثير العين يقول:

           وفتَانة العينين قتَالة الهوى         إذا نفخت شيخاً روائحها شبَا

 وللعيون قدرتها في استقطاب المشاعر والاستحواذ على مجامع القلوب ،وهو ما ذكره الشاعر علي بن الجهم في رائتيه المشهورة :

     عيون المها بين الرصافة والجسر         جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

  ولقد عبر عن هذا المعنى الشاعر أحمد شوقي في القصيدة المغناة بقوله واصفاً لغة العين في موقف الحب بقوله :

      وتعطَلتْ لغة الكلام وخاطبت           عينيَ في لغة الهوى عيناك

وفي الشعر الحديث يطالعنا بدر شاكر السياب باستهلال قصيدته أنشودة المطر بوصف جميل للعيون

                        عيناك غابتا نخيل ساعة السحرْ

                       أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

  ولكاتب هذه السطور في العيون

عيناك قافيتا شعر وموسيقى

               والقول أجمله من صمته نطقا

والحبُ كالروح لا ندري حقيقتها

               وفيه يجتاز قلب العاشق الأفقا

كرمى لعينيك وعد العمر أرقبه

               والغيم أعصره من شوقنا برقا

 

 

 

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. وليد العرفي