الناقدة الدكتورة سمر الديوب... بحوثها مبتكرة عن الثنائيات الضدية ونظرية الأبعاد الثلاثة في الأدب

العدد: 
15136
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 17, 2018

لها العديد من الأبحاث والدراسات في الميدان الأدبي في سورية والوطن العربي . ولها رصيد متميّز من الدراسات النقدية الأدبية الحديثة . فالناقدة الدكتورة سمر الديوب تعمل بشكل مستمر ، في مجال النقد والبحث الأدبي في وجوه لم يمر الباحثون والناقدون عليها ، ولولا أنها حازت على جائزة الدولة التشجيعية في النقد الأدبي لعام 2017 لبقيت غير معروفة . وهي الآن تشغل مهام عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة البعث ، وتعد بذلك أول امرأة تتسلم هذاالمنصب العلمي والإداري في كلية الآداب بالجامعة المذكورة .
لها عشرات الأبحاث المنشورة في المجلات المحلية والعربية المتخصصة المحكّمة ولها عشرة كتب في النقد الأدبي منها ( النص العابر – دراسات في الأدب العربي القديم – جماليات التشكيل الفني في الشعر العربي القديم )
وهي حسب ما نعلم أول من نادت بإصدار دورية شهرية متخصصة بالكتابة النسائية ، وممن دعوا إلى الاهتمام بالأدب الرقمي ... معها ... مع الباحثة والناقدة وعميدة كلية الآداب بجامعة البعث الأستاذة الدكتورة سمر الديوب كان هذا الحوار:
س1: سؤالي الأول لك عن تعريف مبسّط لمصطلحي «الثنائيات الضدية» و»الخطاب ثلاثي الأبعاد» لاسيما وأنك قد ركّزت عليهما في بعض مؤلفاتك.
دفعتني ميولي العلمية منذ البداية، وقبل أن أدرس اللغة العربية وآدابها إلى النظر إلى النقد على أنه نصّ علميّ موازٍ للنص الأدبي القائم على الخيال، ولا يقوم أحد النصين من غير وجود الآخر، ووجّه هذا التلازم بين الأمرين نظري إلى فكرة الثنائية، وارتباط أحد طرفيها بالآخر.
قلت في نفسي مهما بدت الحياة صعبة فهنالك شيء يمكن لي أن أنجح فيه، فقامت فكرتي على أساس أن الكون كله مبنيٌّ على اجتماع المتضادين، وهذان الطرفان يتلازمان، ولا يستقل أحدهما عن الآخر، ففي قمة فرحنا نستشعر الحزن، وفي النهار شيء من الليل، وإيقاع الكون مبني على هذه الثنائية، فأحد طرفيها يختفي وراء الآخر، ولا يغيب.
وقد وجدت أن فكرة الثنائيات موجودة في كل شيء في الكون، ففي العلم يحمل الضد شيئاً من خصائص ضده، فالذرة مثلاً مكونة من بروتون ونيترون: سالب وموجب، ويؤكد علماء الطاقة أن ثمة حركة كونية قادمة من الفضاء إلى الأرض تتضاد مع الحركة الصاعدة من الأرض إلى الفضاء. وحركة القلب في الطب تعمل على هذا الأساس، فيجتمع الدم من أنحاء الجسم في الجهة اليمنى للقلب، وتضخ الجهة اليسرى الدم إلى أنحاء الجسم.
في العلوم الفيزيائية والكيميائية والرياضية ثمة أبعاد في الكون، والبعد الذي نعيش فيه هو البعد الثالث المحكوم بالثنائيات الضدية، حين نرتقي إلى بعد أعلى نصل إلى التكامل، وفي الفيزياء لكل جسيم جسيمٌ مضاد.
درستُ الفكرة في الفلسفة القديمة، ووجدت أن الفلسفة الصينية القديمة قائمة على ثنائية الين واليانغ وترتد مظاهر الحياة كلها إلى هذه الثنائية، ولا يقوم أحد طرفيها من غير وجود الآخر.
ورُمز للتاو في الفكر الصيني القديم بدائرة يتناوب فيها الأبيض والأسود، ويدخل كل طرف في الآخر، فلا حدود بين المتضادين، والدائرة أكمل الأشكال الهندسية.
أما الصوفية ففيها بعدٌ فلسفي مبني على الثنائيات الضدية، ومن أقوال جلال الدين الرومي في كتابه المثنوي: البحر بالنسبة إلى أحياء البحر كالحديقة، لكنه لمخلوقات الأرض موت ومصيبة.
وفي الفلسفة الإسلامية ثنائيات كالمدينة الفاضلة ومضاداتها لدى الفارابي، وثنائية النفس والجسد عند ابن سينا، ففي عينيته الرائعة تجسيد لجملة من الثنائيات الضدية:
هبطت إليك من المحل الأرفع    ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف    وهي التي سفرت ولم تتبرقع
يرى أن النفس توجد قبل الجسد، وهي أشد كمالاً منه، ولا تموت بموته، فيقف على ثنائيات العالم الروحي العلوي/ العالم المادي السفلي، احتجاب النفس/ سفورها...
وفي فلسفة ابن رشد نجد قوله: كل ما هو موجود متضاد، وكل ما هو متضاد موجود.
والأساطير كلها مبنية على الثنائيات كثنائية الخير والشر، والخصب والجفاف، والنور والظلام، والآلهة والإنسان.
وقد سحبت هذه الفكرة على النقد الأدبي، فوجدت في الرومانسية ثنائية الأنا والعالم، والذات والموضوع، وفي الماركسية الجدلية والصراع الطبقي، فكل تشكيلة اجتماعية تخلق ضدها، وهم لا يفصلون الأدب عن الحقائق الفكرية، وفي البنيوية النصُّ بنية كبرى تنتظم فيها بنيات صغرى قائمةٌ على علاقات التضاد، وهدمت التفكيكية الثنائيات التي قامت عليها البنيوية بالثنائيات أيضاً؛ إذ نجد في التفكيكية ثنائية الشك واليقين، والثابت والمتحوّل.
وفي فكرنا القديم قام مؤلَّف الجاحظ كتاب المحاسن والأضداد على فكرة أن لا حضور لشيء من غير ضده، وقد سحبت هذه الفكرة على الأدب، فوجدت في تطبيقي على النصوص الأدبية القديمة والحديثة والمعاصرة أن الأدب يبنى بناء ضدياً.
شعر الغزل العذري -على سبيل المثال- بني بناء ضدياً ينطلق من مقولة الأكر المقسومة، فالروح لدى منظّري العشق والفلاسفة كرةٌ شطرت، وأصبح كل شطر يبحث عن قسيمه في الحياة، وحين يجتمعان يحدث التكامل، ويقوم الغزل العذري على هذه الفكرة، والروح كرة، والكرة أكمل الأشكال الهندسية، وحين شُطر حدث هبوط في البعد، وأصبحنا في البعد الثالث: بعد الثنائيات الضدية، وينضح الشعر العذري بثنائيات البوح والكتمان، الجسد والروح، الرغبة والعفة، الحضور والغياب، يقول جميل بثينة: يموت الهوى مني إذا ما لقيتها   ويحيا إذا فارقتها فيعود
فحضورها الجسدي يعني غيابه الروحي عن الوعي.
أما الخطاب ثلاثي الأبعاد فقد قصدت بالبعد الحركة في فضاء ما، وباتجاهات مختلفة، ويمكن أن ننظر إلى النص الأدبي على أنه ينهض على أبعاد لا تأخذ سمة مكانية، بل افتراضية، فكرية، وتتداخل هذه الأبعاد، ويغتني النص الأدبي بتداخلها، فثمة جنس ونوع للنص الأدبي، وثمة أجناس وأنواع تعبر إلى هذا النص، ويولد التقاؤها أبعاداً تغتني بعلاقة حوارية، فينطوي الأدب الرقمي –على سبيل المثال-على أبعاد لا نجدها في أدب الخيال العلمي مع أن الأدبين مصنفان في جنس النثر، وفي نوع الرواية. والعلاقة بين الأبعاد في الأدب علاقة حوارية، وتعدّ الحوارية سمة لكل خطاب أدبي.
  ويحقق الخطاب ثلاثي الأبعاد جمالاً خاصاً فيما يحققه من وحدة بين المتضادات، فتكتب الرواية الرقمية بالصوت، والصورة، والحركة في المشهد السينمائي، وتُرسم الكلمات بمشاهد ذهنية ومادية متحركة، وبجمل سريعة الإيقاع، قليلة العدد، ويعني ذلك أنها تفترض وجود مبدع مختلف نظراً لاختلاف النص الناهض على أبعاد ثلاثة، مبدع ملمّ بالجوانب الأدبية، وبالبرمجة الحاسوبية. فالعصر الحالي عصر الثقافة الصُّوَرية بفرعيها الثابت والمتحرك. وقديماً قال سيمونيدس الإغريقي: إن الشعر صورة ناطقة، أو رسم ناطق، وإن الرسم أو التصوير شعر صامت.
  وتتعدد الخطابات، فنجد الخطاب الفلسفي والديني والسياسي والعجائبي والصوفي، وتقوم علاقة حوارية بين هذه الخطابات بهدف التأثير في المتلقي. فالخطاب الأدبي خطاب مفتوح على ما هو خارج النص، فثمة حوارية بين النصوص «تناص» وثمة حوارية بين الأنواع، وهو ما يولّد الأبعاد في العمل الأدبي.
  يتجاوز الخطاب الحدود في الأدب ثلاثي الأبعاد، وينتج خطابٌ تحكمه الحوارية، فقد بات الخطاب الأدبي المعاصر تعددياً بفعل الفعالية الحوارية، فثمة أبعاد من جماليات الفنون التشكيلية، والسمعية، والبصرية، وثمة أبعاد تكنولوجية، وأخرى علمية.
س2: نلت درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز عن بحثك في «الصورة في شعر التمرد في صدر الإسلام والعصر الأموي» والسؤال هنا: ثمة دراسات كثيرة عن هذا الموضوع.. فما القيمة المضافة لدراستك؟ ألا يزال أدب هذه الحقبة تربة صالحة للدراسات؟
أدركت أن البحث رياضة مقصودة، وحياة تعج بالنشاط وتجسيد الطموح. والمشكلة أن كثيراً من الباحثين ينكر انفتاح النص التراثي على معطيات الحداثة، وقد انطلقت في دراستي من أن التراث العربي يزخر بكنوز كثيرة لكنه يحتاج إلى أدوات نقدية حديثة للكشف عنه، فطرقت أبواباً كانت تعد من المحرّمات في دراسة الأدب الكلاسيكي، فوجدت مثلاً أن ما وراء السرد موجود في تراثنا العربي في ألف ليلة وليلة على سبيل المثال، ووجدت أن تقنية المونتاج الشعري التي تضج بها القصائد المعاصرة موجودة بقوة في النصوص التراثية، فقد أثبتت أن الشاعر القديم كان مخرجاً جيداً لنصه.
لدي حالة عشقية للسير في طريق لم يسلكه أحد غيري، فالطريق المرسوم سيقودني إلى حيث ذهب الآخرون، أرى النقد فناً، وأرى الناقد فناناً، فإن كنت ناقدة موهوبة فآخر شيء أفكر فيه هو أن أرسم لوحة رسمها أحد قبلي، القدرة على الإنجاز تبدأ من داخلي وحدي.
وقد سلكت هذا السبيل في أبحاثي كلها منذ أن كنت في مرحلة الماجستير، ووجدت أن النص التراثي لا يزال مفتوحاً على دراسات كثيرة إن أحسنا الولوج إليه مستفيدين من معطيات النقد المعاصر. يرى أندريه جيد أن النقد لا يزال إلى أيامنا هذه يسير في الأرض السهلة، والسير في طريق بحثيّ جديد هو سير في أرض وعرة يجب أن أسلكها.
س3: ثمة من يرى أن النقد الأدبي الأكاديمي يخاطب فئة قليلة من الناس المثقفين ثقافة عالية، وينحصر في الجامعات ومراكز الأبحاث.. كيف نجعل هذا النقد الأدبي الأكاديمي مادة مقروءة مفهومة لعامة القراء... لاسيما وأنه يضيء على أعمال أدبية كثيرة؟
النقد حالة إبداعية وإنسانية إضافة إلى أنه نص علمي قائم على المصطلح، لكن طغيان الجانب النظري على التطبيقي جعل النقد يغرد خارج السرب، ويعيش داخل أسوار الجامعة، لكنّ في التعميم ظلماً كبيراً، وقد بدأنا في كلية الآداب بنشر ملخصات عن الرسائل الجامعية التي نوقشت في الكلية على موقع الكلية الالكتروني، وهي رسائل متاحة لكل من يرغب في الاطلاع عليها في مكتبة الكلية ومكتبة الجامعة المركزية، ويمكن للاحترافية النقدية أن تكتب بلغة قريبة للعامة، ويمكن أن تتقبلها الشريحة الواسعة في المجتمع، وللنقد وجهان: الناقد والمتلقي، ويجب أن يؤدي كل منهما دوره في هذا الميدان، وألا يحجم المتلقي عن الدراسات الأكاديمية بحجة التخصص الدقيق واللغة المغرقة في الاحترافية، وتؤدي فروع اتحاد الكتاب العرب والمراكز الثقافية دوراً في ردم الهوة بين النقد التخصصي والتقبل الأوسع له من خلال محاضرات تقدم بلغة يسهل تلقيها من قبل العامة، تشبع فضولهم في تلقي التحليل الواضح للعمل الأدبي من خلال الجمع بين الاحترافية الأكاديمية واللغة السهلة.
س4: كيف ترين حركة النقد الأدبي في سورية؟ هل لدينا نقاد كبار؟ وهل تهمة النقد بالتقصير في متابعة النتاج الأدبي مشروعة؟
   النقد الأدبي الحديث في سورية جزء من الحركة الثقافية العامة، وحركة الفكر العامة، ويعاني النقد الأدبي في سورية المشكلات التي يعانيها النقد العربي، والحركة الأدبية عامة، نعاني قلة في النقد التطبيقي، الذي يكشف عن القوانين الداخلية التي تحكم العمل الأدبي، ويعاني النقد أيضاً مشكلة المصطلح النقدي، فلا يمكن فصل المصطلح عن النقد، فثمة مصطلحات نقدية جديدة ومترجمة لم تكن مألوفة، وثمة فوضى مصطلحية بسبب عدم التزام كثير من النقاد بها، كما أن هنالك فارقاً بين المصطلح في أصوله الغربية وجذوره في النقد العربي القديم. إن قصيدة الومضة على سبيل المثال ترجمت إلى النثيرة والتوقيعة واللافتة والبرقية والتلكس الشعري وقصيدة المشهد والأبيجراما والقصيدة الفلاشية.
ومن مشكلات النقد أن طالبنا في المرحلة الجامعية لا يمتلك أدوات معرفية كافية من شأنها أن تساعده على فهم النص الأدبي بشكل جيد، فيجب إعادة النظر في تدريس النقد لطلابنا، وتمكينهم من امتلاك الأدوات النقدية، لا أن ندرّسهم المناهج النقدية فقط لأننا في هذه الحال كمن يعلم الطالب القسمة وهو يجهل الجمع والطرح.
ويؤخذ على نقدنا أن العرب لم يتمكنوا حتى الآن من إنتاج نظرية نقدية خاصة بهم، بل استوردوا النظريات جميعاً من الغرب، لكن الغرب قام بحفريات عميقة في أركيولوجية المعرفة والفكر والفلسفة وامتلك الأدوات المعرفية والمنهجية التي مكنته من صياغة نظرية المعرفة ومنها النظريات النقدية المعاصرة. إننا في أمس الحاجة إلى أن نقوم بحفريات عميقة في الحقول المعرفية في ثقافتنا العربية لنكوّن نظرية في الفكر والمعرفة، ويكون ذلك بعمل جماعي لمفكرينا في إطار منظم يسمح بإنتاج أدوات المعرفة التي تنتج النظريات النقدية.
بالتأكيد لدينا نقاد لهم بصماتهم في رحاب النقد، ولا يمكن بأية حال اتهامهم بالتقصير في متابعة الحركة الأدبية لأن النص النقدي والنص الأدبي يتوازيان، ولا يمكن أن ينفصلا.
س5: أنت ناقدة في الأدب معروفة وأستاذة جامعية.. والبعض يرى أن أساتذة الجامعات من النقاد لم يأخذوا دورهم الفاعل كما يجب في إثراء الحركة الأدبية والثقافية عندنا. ما رأيك؟
أحاول أن أعلّم طلابي الجدل والتفكير النقدي، أقول لهم إن المرء يتعلم من أخطائه، فكل مشكلة قمت بحلّها أضحت قاعدة استعملتها بعد ذلك لحل مشكلات أخرى كما يقول رينيه ديكارت.
أحاول أن أحررهم من الخوف من اقتحام الجديد، وأشجعهم على السير في الطريق الوعرة، أحاول تحريرهم من عقدة الخوف من الشخصيات الأكبر علمياً، للأسف تربيتنا تلقينية، لا تحث الفكر على النقاش والأسئلة، والشك هو الطريق الصحيح للتفكير السليم.
أعلّمهم أن على الناقد أن يخترق المسكوت عنه في الخطاب الأدبي، حين قدمت أطروحة الدكتوراه قالت لي لجنة المناقشة والحكم أنت مقتحمة وجريئة، من وجهة نظري لا يوجد فصل بين النقد وغيره، ووجود الأولويات لا يمنع الرؤية الشاملة. لا أتطور إلا بالجدل والخلاف، ومن دون اختلاف لا يكون هنالك جدل.
أشرفت على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وأشكّل مع طلابي حلقة عمل متتابعة، فما بدأت به يتابعونه معي.
التفكير الجدلي أساس التطور، أتذكر مقولة ستيفن هوكنغ: أنا مجرد طفل لم يكبر لأنني أستمر في إثارة هذين السؤالين: كيف ولماذا، وأحياناً أجد الجواب.
وكلّ إنسان يمكن أن يؤثر في محيطه من موقعه، وأجد أن أساتذة الجامعات قد كان لهم تأثيرهم الخاص من موقعهم في الأزمة، فالأستاذ الذي حمل الكلمة سلاحاً في مواجهة الفكر الظلامي هو جندي أيضاً.
س6: ما رأيك بما ينشر تحت عنوان «النقد الأدبي» في صحفنا ومجلاتنا.. هل يشكل إضافة مهمة للحركة النقدية؟
يجب أن نفرق بداية بين النقد الانطباعي، والنقد المنهجي القائم على المصطلح، فالنقد نص علمي مواز للنص الأدبي القائم على الخيال، ولا يمكن الفصل بينهما؛ إذ لا مستقبل للنص الأدبي في غياب القراءة النقدية الواعية والمنتجة لحقيقة النص، لكن النقد حرفة، ودربة، وصناعة كما عرّفه نقادنا القدماء، وهو أيضاً توجه رؤيوي في الحياة، ويجب أن يمتلك الناقد مشروعه النقدي الذي لا ينفصل عن المشروع النقدي الوطني والقومي، وبناء على هذا الكلام أجد أن هنالك مقالات نقدية في الصحف والمجلات تتسم بالعلمية والمنهجية، لكن قسماً مقابلاً أيضاً يتسم بالانطباعية التي لا تضيف كشفاً لأعماق النص الأدبي.
س7: ما المجالات البحثية التي قمت بها؟ وهل قدّمت إضافة معرفية لحركة النقد الأدبي؟
بما أني متخصصة في الأدب العربي القديم حاولت أن أوجد خطاً خاصاً بي، فقمت بجملة دراسات تجمع بين النص التراثي والمصطلح الحداثي، فصدر لي كتاب النص العابر الصادر عن اتحاد الكتاب العرب، وكتاب الثنائيات الضدية الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، وكتاب في أدب صدر الإسلام، وكتاب جماليات التشكيل الفني في الشعر العربي القديم.
تطور الأمر، وأردت تطوير مشروعي النقدي، فكان كتاب مجاز العلم، انطلقت فيه من فكرة أن الخيال أساس في الإبداع العلمي والأدبي، ووجدت أن أدب الخيال العلمي هو الأدب المستند إلى الخيال، وأتذكر في هذا المقام قول ابن عربي: فما أوسع حضرة الخيال، وفيه يظهر وجود المحال.
وجدت أن العالم يفكر بالمجاز، وأن كل ابتكار علمي مسبوق بالخيال، ويصل العلم والأدب إلى حقائق يرفدها الخيال، والحديث عن علاقة العلم بالخيال اعتراف ضمني بعلاقة العلم بالأدب.
وفي أدب الخيال العلمي روافد علمية، وروافد أدبية تكاملت، وتقوم شعرية أدب الخيال العلمي على العجائبية والغرائبية، وتداخل السياسي بالاستعاري والرمزي، ويوجِد الجمع بين الخطابين العلمي والأدبي مسافة توتر هي شرط لحصول الشعرية في أدب الخيال العلمي.
أدب الخيال العلمي حال حلم مبني على أسس علمية، وهو أدب الرؤيا بامتياز، يقول ألبرت أنشتاين: الخيال أهم من المعرفة، بالخيال نستطيع رؤية المستقبل.
وانسحبت فكرتي على دراسة الأنواع الأدبية الناشئة، ومنها دراسة الأدب الرقمي، فكان كتاب الخطاب ثلاثي الأبعاد، فالأدب الرقمي نوع أدبي ناشئ يحجم الدارسون عنه إلا أقلهم، وهو حال تطورية لمسار الأدب، على علاقة بالوسيط التكنولوجي، لا يقوم على الكلمة فقط بل يقوم على الكلمة المقدّمة بالحاسوب المرتبط بالشابكة، والكلمة المترافقة بالصورة والصوت والألوان ومقاطع الفيديو. إنه أدب أفرزه العقل، فقد غدت الصورة هي الأصل كما كانت سابقاً، وأضحى الاعتماد على الكلمات النووية بعيداً عن الاستطراد في الوصف والسرد.
درست بعض الأعمال الرقمية، وهي قليلة، وكنت أول باحثة سورية تبحث في الأدب الرقمي فدرست مجموعة الشاعر العراقي مشتاق عباس الرقمية: تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق، وروايات الكاتب الأردني محمد سناجلة: شات وصقيع وظلال الواحد وظلال العاشق.
ووجدت أن الأدب الرقمي يمثل قيمة مضافة إلى الأدب العربي المكتوب، وليس تجريبياً فقط، وهو ظاهرة تأخذ حقها في الانتشار على الرغم من المواقف الرافضة له. ويقوم على ثنائية الكلمة والصورة المترافقة مع معطيات التكنولوجيا، فثمة مجاز صوت، ومجاز صورة، ومجاز كلمة.
ومن الدراسات التي قمت بها دراسة عن القصة القصيرة جداً وقصيدة الومضة، وهما نوعان جديدان ليسا منبتيّ الجذور عن التراثين العربي والعالمي، ويقومان على جملة ثنائيات منها: السردي والشعري، جسد النص والقفلة المدهشة والمفارِقة، الاقتصاد اللغوي والعمق المعنوي.
س8: كيف تقيّمين الحركة الأدبية والثقافية في حمص؟ وكيف نعيدها إلى سابق ألقها قبل سنوات المؤامرة الكونية علينا؟
واقع الثقافة العربية ملحق بالثقافة الغربية، ويجب أن يُحدِث المثقّف تغييراً في المجتمع فكراً وسلوكاً لمواجهة الثقافات التي تحاول إعادة المجتمع العربي إلى الماضي.
والحوار منبر حر تبنى به الحضارات، الاختلاف صحي جداً، وقد خلقنا الله لنختلف، ويتعرف أحدنا إلى أفكار الآخر من خلال الاختلاف، ويتيح تعدد الآراء تشخيص المشكلات، وسدّ الثغرات. وفي ظل الأزمة شهدنا تراجع دور المثقف، ويجب مواجهة المشكلة في سورية بالالتفات للعلم والتعليم والثقافة، ومهما كانت الخلافات والاختلافات فيجب أن تصب في مصلحة الوطن.
والحركة الثقافية في حمص لم تكن غافلة عما يحدث في ظل الحرب، لكن الأدب لم يرق إلى مستوى التعبير عن الحال التي وصلت إليها حمص، وما شهدته حمص جعل الكثيرين يعزفون عن متابعة النشاط الثقافي في المدينة، وهذا ما جعل المراكز الثقافية تمر بكبوة لكنها تصحو منها رويداً رويداً، لكني مؤمنة أن الأديب والفنان لم يقفا صامتين، بل رسما ما شعرا به ليقولا للعالم كله هذا أنا ابن حمص، فانظروا ما أنا فاعل. ولم أتجرد يوماً من هويتي الوطنية. وهذه اليقظة تبشر بواقع جميل وغد أفضل لمدينة عرفت التعايش السلمي والألفة والمحبة بين مكوناتها كلها.
س9: كيف تقيّمين دور الأدباء السوريين في مواجهة الإرهاب خلال سنوات المؤامرة علينا؟ وما أهمية الكلمة في التصدي للفكر التكفيري؟
في البدء كانت الكلمة، والكلمة الصادقة لا يمكن أن تضل طريقها، وقد كان لأدبائنا في هذه الهجمة الكونية الشرسة على بلدنا الغالي الدور الأبرز في تعرية الفكر الظلامي، وتأكيد اللوحة الفسيفسائية الرائعة التي تعبر عن المجتمع السوري، ويدل هذا الأمر على وعي المثقف السوري بما تتعرض له بلده من مؤامرة كونية.
إننا بحاجة إلى مشروع وطني وثقافي ليكون هنالك رد فكري ثقافي تنويري على خطاب الإرهاب التكفيري.
س10: عيّنت عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية منذ سنة تقريباً، وكنت أول امرأة تتبوأ منصب عميد كلية الآداب في جامعة البعث، كيف تقيّمين هذه التجربة؟
حققت المرأة السورية إنجازات كبيرة في بلدي فهي نائب الرئيس، وعضو مجلس شعب، ووزيرة، وأستاذة جامعية، أفتخر أنني أنتمي لسورية، وأفتخر أنني أنتمي للثقافة العربية، ثقافة الشاعر العربي الكبير زهير بن أبي سلمى الذي نفّر من الحرب وويلاتها، وشجّع على الصلح بين قبيلتي عبس وذبيان بعد أن كادت الحرب تفنيهما، وسعى إلى ذلك.
أفتخر أنني حفيدة زنوبيا القائدة الشجاعة، والتي كان لديها مشروع التمكن من الشرق كله وروما، والتي كانت تجيد ثلاث لغات، وحفيدة عشتار والإمبراطورة الحمصية جوليا دومنا التي أفسح لها ابنها كركلا مجالاً في الحكم لرجاحة عقلها وصواب رأيها. أنا مزيج من هذه المكوّنات
وقد شغلت مجموعة مناصب إدارية في الجامعة، وكان آخرها تسلمي منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وهي المرة الأولى التي تتسلم فيها امرأة عمادة كلية الآداب، وقد عملت جاهدة على إشاعة الجو الأسري في الكلية، وهي تضم خمسة أقسام، وبرنامج التعليم المفتوح، ويبلغ عدد طلابها ما بين التعليم النظامي والمفتوح حوالي سبعة وثلاثين ألف طالب.
قمت بتحسين أداء الكلية الخدمي على الرغم من نقص عدد الموظفين وذلك برفع الروح المعنوية للموظفين في أكثر من مناسبة.
وقفت على مسافة واحدة من أعضاء الهيئة التدريسية، وحاولت حل المشكلات في الكلية ملتزمة بالمعايير الأخلاقية والأكاديمية شرطاً أساسياً للتعامل.
قمنا بنشاطات فكرية وثقافية كندوة الشعر العالمي المترجم وندوة النص الأدبي قراءة جديدة.
أنشأت منبراً للتواصل الاجتماعي من شأنه التركيز على أحداث الكلية المميزة، وأشركت الطلاب في نشاطات الكلية لإشاعة جو المحبة بين الطلاب، وقمنا بإنشاء مكتبة الكترونية على موقع الكلية تسهل على الطلاب الحصول على المعلومة الكترونياً.
ولا تزال عندي طموحات إدارية أعمل عليها تباعاً، وأشكر إدارة الجامعة التي تقدم لي الدعم من أجل تنفيذ أفكاري في إدارة الكلية.
س11: حزت جائزة الدولة التشجيعية في مجال النقد والدراسات الأدبية، كيف تنظرين إلى هذه الجائزة؟ وما مشروعك البحثي القادم؟
أسعدني جداً حصولي على جائزة الدولة التشجيعية على مستوى النقد والدراسات الأدبية لسببين: الأول أن المرء حين يكرّم في بلده فإن للتكريم ذكرى لا تنسى، وبريقاً خاصاً، لا يعادله أي تكريم يمكن أن أحصل عليه من أي مكان آخر. والثاني أن الجائزة رمز جميل يكرّم به المجدّ؛ ذلك أنها ترفع من رصيد صاحبها، وتثبت اسمه في ميدان البحث والإبداع، وتزيده حماسة ليقدّم الأفضل مستقبلاً، وتسلط الضوء على الأعمال الإبداعية.
ويقوم مشروعي البحثي القادم على متابعة مشروع الثنائيات الضدية، فالعلوم تتكامل، العلوم الإنسانية والفيزيائية والرياضية، ويمكن أن ينفتح الأدب على معطيات الفيزياء، فمثلاً: البيت المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
أتحسب أنك جرم صغير                 وفيك انطوى العالم الأكبر
يؤكد هذه المقولة، فقد أثبتت آخر المقولات العلمية أن جسد الإنسان كون مصغر، فيه عناصر الطبيعة كلُّها، وتقول النظرية العلمية إن عدد الخلايا في جسد الإنسان يوازي عدد الأجرام السماوية، ولو شرّحنا شعرة من رأس إنسان لبدت شديدة الشبه بشجرة تحت المجهر.
أحب كثيراً البحث في موضوعات إشكالية، فأفضّل العيش في عالم يكتنفه الغموض على العيش في عالم صغير أستطيع الإحاطة به.
فكرة العدم عند المعري على سبيل المثال: يقول المعري إن العدم شيء، ويؤكد بعض الفلاسفة أن العدم شيء، يقول:
في العُدْمِ كنا وحكم الله أوجدنا   ثم اتفقنا على ثان من العَدَمِ
يرى الفيلسوف شوبنهاور أن في كل فرد منا حوضاً من الألم لا محيص عنه، وحتى إذا فرضنا أن هذا الألم له نهاية فإنه سوف يحل محله فوراً عناء آخر.
س12: ما طموحاتك النقدية؟ وإلى أي المدارس النقدية تنتمين؟
أرجو تشجيع الأنواع الأدبية الناشئة كالقصة القصيرة جداً والأدب الرقمي بخاصة وهو آخر صيحات الأدب الذي يتناسب مع طبيعة العصر التكنولوجي الذي نعيشه وقصيدة الومضة وأدب الخيال العلمي، وأدعو إلى تشجيع الاهتمام بنقد هذه الأنواع الأدبية، وتخصيص جائزة لها.
كما أدعو إلى عمل نقدي جماعي لكي نتمكن من صياغة نظرية نقدية عربية. وأن ننظر إلى التراث بعين معاصرة بعيداً عن التقديس.
وأدعو إلى تجديد الأدوات النقدية، فلا يزال قسم كبير من الباحثين ينظر إلى التراث على أنه بعيد عن المصطلحات النقدية المعاصرة، في حين أن دمج النقد الحديث والأدب القديم يمكن أن يأتي بنتائج جديدة ومخالفة لنتائج الدراسات التقليدية.
ولا أنتسب إلى أية مدرسة نقدية لسبب بسيط، هو أن كل مدرسة ترمي إلى تحقيق هدف واحد هو تفسير النص الأدبي من وجهة نظرها، ويبقى هذا الأمر مرفوضاً من وجهة نظر مدرسة أخرى، فأقف على مسافة واحدة من النظريات النقدية المعاصرة، ومدارسها، وأقرأ النص الأدبي على وفق القراءة التي يرتضيها النص نفسه، فلا أروج لمنهج معين، ولا أدخل إلى النص الأدبي بقصد سابق.
ولست مع فكرة موت المبدع التي نادت بها البنيوية، فهي أكذوبة من أكاذيب رولان بارت مع أن له إسهامات لا تنكر في النقد، لكنها فكرة مستمدة من الفيلسوف الألماني نيتشه القائلة بموت الفلسفة المركزية. فاهتمت البنيوية بالنص وعزلت المبدع لكن المبدع لا يمكن أن يعزل عن نصه لأنه يعيد إنتاج نفسه في كل نص من كتاباته بتنويعات متعددة من خلال رؤيته المهيمنة على إنتاجه الأدبي.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
حوار: عيسى إسماعيل