الراحلة فريال نصر الصالح.. أنا أجمل نجوم الموت قاطبة

العدد: 
15151
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 7, 2018

عندما يرحل أحد أعلام الأدب يبادر الأصدقاء والمعجبون بأدبه، إلى الكتابة عن حياته، وكتبه المطبوعة. ولكن الأمر مختلف مع الراحلة (فريال نصر الصالح) لأنها لم تطبع كتابا واحدا في حياتها، وما وصلنا من نتاجها في مجموعتها الشعرية الوحيدة (حين يمضي من نحب) قصائد جمعتها الأديبة (ابتسام نصر الصالح) من بين أوراق أختها التي غادرتها باكرا. إضافة إلى أنني لست من أصدقاء الفقيدة، ولم أعرف عنها شيئا من قبل، لذلك تأخذ الكتابة عن هذه المجموعة الشعرية خصوصية بذاتها.
    ولأن صورة الشاعرة ستظل في أذهاننا على أنها رحلت قبل أن ترى ديوانها الأول والأخير مطبوعا، اخترت أن أتناول رؤيتها للموت في حياتها، مع مراعاة تاريخ قصائدها حسب التسلسل الزمني. علما أن الشاعرة توفيت بتاريخ: 3/11/2005. وهي تدرك أنها مصابة بمرض عضال قبل هذا التاريخ بثلاث سنوات.
[ من قصائد عام 1983 ]
    يرد ذكر الموت للمرة الأولى في الديوان في قصيدة كتبتها الشاعرة (فريال) قبل وفاتها بـ 22 عاما، وفي هذه القصيدة برز الموت بقوة، ابتدأ من العنوان (عندما قررت أن أموت). مرورا بذكر الموت صراحة (11) مرة في القصيدة ذاتها، ضمن التركيب التالي: (لن أموت. ص33-34). ونجد هنا أن علاقة الشاعرة بالموت ملتبسة في بدء مواجهتها له، فهي قررت أن تموت في مفتتح القصيدة - أي العنوان - ولكن القصيدة كلها هي اعتراض على الموت ورفضه. وكأن الشاعرة تتحدى الموت باستدعائه لترفضه، فالحياة في عيني الشاعرة الشابة جميلة حقا، وتستحق أن نعيش لأجلها.
[ من قصائد عام 1993 ]
    في العالم التالي يبرز الموت، ولكن بصورة مختلفة. فهي في غربتها في روسيا تتماهى مع الموت كحالة حميمية مرتبطة بالوطن الذي أبصرت فيه نور الحياة، حيث تتحول الشاعرة إلى حرف في قصيدة حملت اسم وطنها الذي تحن للقائه: (إنسان أموت. ص92). وكأن الموت أصدق تعبير عن الامتزاج بمن نحب.
    أما في قصيدة (عشرون بندا في تشريح طفلة كهلة) فصورة الموت قريبة الشبه من القصيدة السابقة، وهذا يعود إلى أن القصيدتين كتبتا في عام واحد. فالشاعرة ترى نفسها طفلة صغيرة بحبها للحياة، ولكن الحياة قست عليها في الغربة فحولتها إلى كهلة قبل الأوان، فيصبح الموت نافذة مفتوحة ترى من خلالها الشاعرة النور الذي يضيء حزنها الأسود، وكأن الموت أصبح منقذا لها من الأحزان: (على نافذة الموت الأبيض/ والعيش الأسود. ص94). والموت هنا ليس فناء في الفراغ، بل تماهى مع المثل الأعلى، وتجدد بطريقة ما. لهذا تقف الشاعرة أمام الموت بقوتها التي عاشت بها حياتها، وبضعفها الذي لا يستطيع دحر الموت، وبجنونها الذي قاومت به قساوة الحياة وأحزان الموت القادم: (هذه المهددة بالموت قوية جدا وضعيفة جدا ومجنونة جدا. ص95).
[ من قصائد عام 1994 ]
    على التوالي، وللعام الثالث، لا تكف (فريال) عن الكتابة عن الموت. وفي قصيدتها (إلى أبي) لا تحتج الشاعرة على قدوم الموت، وكأنها استسلمت له أخيرا مادامت لا تستطيع الوقوف بوجهه. بل تحتج على اختياره فحسب: (لماذا أخطأ الطريق يا أبي/ كان يجب أن أرحل أنا/ كان يجب أن أموت أنا. ص142). وكأن الشاعرة تنتظر الموت منذ سنوات، مستبطنة أن عمرها قصير، لذلك ترى أنها أول من يجب أن يغادر من أفراد الأسرة. وفي هذه القصيدة أيضا تعاتب الشاعرة الموت الذي فجعها بمن تحب، قبل أن تموت هي وتفجع من أحبوها بموتها.
[ من قصائد عام 1996 ]
    في هذا العام لا تتوقف الشاعرة عن الكتابة عن الموت، ولكن في هذا العام يرتفع مؤشر الموت ليبلغ ذروته في أربع قصائد.
في قصيدة (إلى نزار مع تحياتي) لا تتحدث الشاعرة عن موتها هي، ولا عن موت والدها الذي يرد في أكثر من قصيدة، أو حتى عن موت أبناء وطنها. بل تتحدث عن موت الشاعر الكبير (نزار قباني) الذي تعترف في قصائدها أنها تأثرت به. تقول الشاعرة لشاعرها المفضل: (لا تمت الآن. ص243). وكأن الشاعرة تحاول إقناع (قباني) بالتوقف عن الموت، فهناك متسع من الوقت كي يكتب عن نساء أخريات، وحب جديد. ولكن (قباني) مات، فمن تحاول الشاعرة أن تقنع..؟! هل تخاطب نفسها كي تتمسك بالحياة بقوة أكبر..؟ أم هي تراوغ الموت وتحاول إقناعه، لعله يتأخر قليلا.
أما في قصيدة (لأحاول الاختلاف) تتحدث الشاعرة صراحة أنها ولدت كي تختلف مع كل شيء، مع الطبيعة، الأغنيات، المسؤوليات، الروتين،  وأيضا: (مع صور الموت والحياة. ص249). كي تحقق ذاتها، وتترك أثرا في حياتها القصيرة. ولقد حققت الشاعرة ما تطمح إليه حقا، فكتابة الشعر هو اختلاف مع المألوف والعادي بطريقة خاصة جدا، أما الأثر فهو قصائدها التي نقرؤها بعد رحيلها. ولعلنا نختلف مع الموت ذاته بهذه الطريقة، فالكلمات تصلنا حية حتى بعد موت قائلها.
    وإن كان هذا الأثر من دون صاحبه غير أوراق يتيمة كما ترى الشاعرة في قصيدتها (لا يعلن الأبيض) حيث تقول: (لأغذي هذيان قلمي/ في إذن أوراقي اليتيمة. ص277).
    وهذه الأوراق اليتيمة ليست إلا وصية الشاعرة التي تحدثت عنها في الكثير من القصائد ومنها قصيدة (أشكرك جدا) التي توصي فيها: (لأملأ/ الأبيض الباقي/ في وصيتي. ص288) إذا هذا الديوان - بأحد وجوهه - هو وصية الشاعرة المتوفاة.
 [ من قصائد عام 2000 ]
    تعود (فريال) إلى اللقاء مع الموت في هذا العام للمرة الأخيرة، بعد انقطاع دام لقرابة أربع سنوات (1996-2000). وهو الانقطاع الثاني والأخير بعد الانقطاع الأول الذي استمر لمدة تسع سنوات (1983-1992). بعد مرحلة تعاقب سنوي استمرت من عام (1992) حتى عام (1996).
    في هذا العام نجد الموت يبرز بقوة في أول قصيدة (تفيق الآن ذاكرة الولادة والموت) على قصر تلك القصيدة، وكأن الموت الذي أخذ يقترب بقوة من الشاعرة لم يعد يفسح الوقت لها كي تتأمله من بعيد كي تكتب عنها الشعر، ولو عن موتها القريب: (تفيق الآن ذاكرة الولادة والموت/ تفيق كي لا يطاول اليوم سنته/ ولا يطال العمر فناءه. ص374). وكأن الشاعرة تصف هنا ما يعرف بصحوة ما قبل الموت الوشيك.
    أما القصيدة المتبقية من قصائد هذا العام وهي (إلى سعد الله ونوس في ذكرى رحيله) فتحاور الشاعرة الأديب الميت، وتتذكره، وكأنها تقرأ مسبقا سنواتها القليلة القادمة، فهي سترحل بدورها مخلفة لنا الذكريات وما كتبت. ونلحظ بوضوح في هذه القصيدة التركيز على الزمن: (يمضي الوقت/ يمر الموت. ص394). فدوران الزمن يعني الاقتراب من الموت: (سيمر الوقت/ وينبت الموت. ص398). وكأن الزمن ليس غير مسيرة الموت القادم، حتى إلى الموت ذاته: (يمر الوقت/ ينتحر الموت. ص397). وبذلك استشرفت الشاعرة إسراع الموت نحوها، ولعلها شعرت به بقوة في داخلها، أو بحدسها المرهف، لهذا لم تكن قصائد الموت لديها مجرد مصادفة، بل تدوين مذكرات حياتها، التي نشرت عقب موتها لا قبله.
بقي أن نقول إنه عندما واجهت الشاعرة الموت وجها لوجه - أي عندما عرفت بمرضها المميت- لم تكتب عن الموت، وكأن الموت الذي يعاش غير قابل للكتابة عنه، أو أن تجربة الموت فوق أية كتابة بالنسبة إليها.
تنويه أخير: جملة (أنا أجمل نجوم الموت قاطبة) التي صدرت بها دراستي عنوان إحدى قصائد الراحلة الشاعرة (فريال نصر الصالح) رحمها الله.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي