الدكتور وليد العرفي : لسنا أمام مشهد نقدي حقيقي اللغة العربية ... انعكاس لحال الأمة

العدد: 
15151
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 7, 2018

عمل مدرساً للغة العربية ثم موجهاً اختصاصياً لها . بدأ ينشر قصائده و مقالاته النقدية في ( العروبة ) وفي صحف أخرى في تسعينيات القرن الماضي ،إنه الدكتور وليد العرفي الذي يعمل الآن مدرساً للغة العربية في جامعة البعث .. صدر له ديوانه ( عندما يورق الياسمين) وله مقالات نقدية أدبية عديدة ...ومعه كان لنا هذا الحوار :
س 1 ـــ أنت أحد عشاق اللغة العربية , هل نتحدث عن بداياتك بهذه اللغة ،  وبداياتك في الشعر...   الكلمات   الأولى   القصائد  الأولى ؟
أن تسألني عن علاقتي باللغة ، فأنت تسأل النهر عن ارتباطه بمجراه ، والطيور بفضاءاتها ، والأغصان بأشجارها ، فاللغة هي الجبلة التي وجدنا أنفسنا فيها ، وهي الفطرة التي فطرنا عليها ، وهي التي تشكلت في جينياتنا المتوارثة عبر امتداد تاريخ وتمثل انتماء ، ولذلك فاللغة هي الذات ، أما الحديث عن تاريخ البدايات ، فأود أن أؤكد بأنني ما زلت في البداية ، ففي كل قصيدة جديدة لي هي  بداية ، فأنا أعيش الشعر حالة وموقفاً ، والحياة حالات متجددة ، وأنا وليد اللحظة ، وسأبقى وليداً ، وإذا شئت التحديد الزماني ، فيعود ذلك إلى مرحلة الدراسة الإعدادية ـــ التي كانت على أيامناــــ  بكتابات عن قصص الحب الأولى ، وغالباً ما كانت عبارة عن أبيات لا تعترف بالعروض ، ولا تلتفت إلى  قواعد الفراهيدي .
س2 ديوانك (ويورق الحرف ياسميناً) كيف كان صداه لدى القراء والنقاد ؟
 ديواني الذي ذكرت أردت منه أن أوجه رسالة ، وتأتي قصيدة (حمص ) في استهلاله معلماً من معالم تلك الرسالة ، إنه دعوة للسلام قي زمن الحرب ، ورمز للمحبة ، فقد جعلت الحرف يورق ياسميناً بكل ما تحيل عليه تلك الأمنية من دلالات رامزة ، وبما تتضمنه دلالة الياسمين من معانٍ تشير إلى النقاء والسلام والطهر في هذا الزمن الرديء الذي تبدلت فيه القيم ، وانقلبت المفاهيم رأساً على عقب ، وأودُ الإشارة إلى أن هذا الديوان الذي رصد ، وسيرصد ريعه للجرحى ،  فقد كان مساهمةً متواضعةً أردت من خلالها أن أقدِم شيئاً ــــ على قلته ــــ يخفِف جراح من طالتهم هذه الحرب الظالمة على سوريتنا ، إذ يتوجب على كل فرد أن يقدم ما يستطيع من مساعدة للنهوض من جديد بهذا البلد ، وهو ما عملت عليه منذ بداية الحرب ، فعملت في مجال المصالحة الاجتماعية ، من خلال محاولة إعادة المهجرين إلى منازلهم ، فكان هذا الديوان الذي أبصر النور قي زمن الظلام ،  وشاهد الشمس في مرحلة الضباب ينطلق من هذه الزاوية ، وقد خصه بدراسة نقدية د. يعرب خضر , كما كتب عنه دراسة الشاعر فراس فائق دياب تناول فيها دلالة المكان في المجموعة .
 س3 ـــ كيف ترى حركة النقد الأدبي لجهة متابعة النتاج الثقافي ، والإضاءة عليه وأنت أيضا ممن يكتبون النقد الأدبي ؟
 لا يمكننا أن نقول بأن لدينا متابعة لما ينشر من نتاجات إبداعية ،  ولكن لنضع الأمور في نصابها ، ونقول إن هناك اهتمامات فردية تتابع ، إلا أن هذه المتابعة غالباً ما تكون تعبيراً عن أحد دافعين ، فهي إما ترتبط بعلاقة إيجابية  مع صاحب المنتج ، فيكون النقد مغازلاً ــــ فمئات الدراسات تتقاطر وتمطر من يكون في موقع مسؤولية ثقافية ،  أو غير ثقافية ، وما إن تزول تلك الصفة حتى ينتهي سيل النقد وتجف ُ الأقلام تجاه ذلك الشخص ، أما النوع الثاني من النقد ،  فهو النقد العدائي الذي يمسك مبضع التشريح والتجريح وفي الحالتين لا يمكننا القول إننا أمام مشهد نقدي حقيقي  ، بل أبعد ما تكون تلك الكتابات عن النقد الذي يكون له علاقة بكل شيء إلا الأدب نفسه ، وعندما كنت رئيسا لمنتدى إبداعي في التسعينيات حاولنا أن نترك بصمة قي هذه المدينة ، واستطعنا أن نقدم أصواتاً شعريةً صار لها حضورها الثقافي  في الوقت الذي لم تولِ المؤسسات الرسمية الاهتمام بهم ، ولم يكن ذلك المنتدى يقتصر على الشباب ، فقد ضمَ العديد من الشخصيات الأدبية ذات الأسماء المعروفة ، وأذكر من باب الوفاء للتاريخ أن الشاعر أحمد أسعد الحارة كان المعين الثر الذي أمد المنتدى بروافد الحب والتشجيع  ، وتكريماً لدوره ، فقد تم توصيفه رئيساً فخرياً لمنتدى الإبداع الذي استطاع أن يتجاوز جغرافية المكان وينطلق إلى الساحة السورية كلها ، كما كان للمرحوم مدحت عكاش دوره الفاعل بمنحنا صفحة في جريدة الثقافة التي كانت تصدر أسبوعيا ، وقد أسميتها (صدى الميماس ) فكانت منبر من لا منبر له ،  واستطاعت أن تسهم في إعطاء الفرصة لظهور طاقاتٍ شعرية أثبتت مع الأيام حقها في أن تكون ، وكانت  ــــــ رغم الأبواب التي أغلقت والعيون التي لم تشأ أن ترى غيرها ـــــ ويحضرني قول للشاعر محمد علي شمس الدين في تعليقه على نص شعري لي  كان قد كتب عنه إضاءة نقدية بأنه يجب علينا أن نبحث عن الهامشي فربما كان الهامشي هو الحقيقي ، وهذا ما عملت عليه في منتدى الإبداع .
س 4 ـــــ عملت لسنوات طويلة موجهاً اختصاصياً للغة العربية قبل أن تصبح أستاذاً جامعياً ،  وسؤالي كيف نجعل أبناءنا يعشقون لغتنا ،  والأهم كيف نتفادى ضعف أغلبهم باللغة العربية ؟
أشكرك على هذا السؤال المهم في ظل واقع مرير يستهدف اللغة ، فحال اللغة انعكاس لحال الأمة ، وهي حالة مستهدفة ، وما يحصل اليوم في وطننا العربي يستهدف الوجود كله ، واللغة هي العامل الأهم الذي كان وما يزال المستعمر يعمل على تهميشه ،  ومن هنا يجب تحصين الجيل على المستوى الرسمي ، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة أن سورية البلد العربي الذي كان وما يزال حريصاً على اللغة العربية  ، وقد صدرت تشريعات ، وسنت قوانين تم تعميمها على مستوى التعليم الأدنى ، والأعلى توجب ضرورة تحدث المعلم والمدرس على اختلاف المراحل التعليمية باللغة العربية ، تشكلت لجنة من أعلى المستويات مهمتها التمكين للغة العربية , وقد تفرعت عنها لجان فرعية كنت أحد أعضائها في حمص إلا أن ما يجب لفت الانتباه إليه هو أن القوانين وحدها لا تكفي إذا لم تتبع بالتطبيق ، وإنَ نظرة سريعة في شوارعنا تجعلك تذهل من انتشار الأسماء الأجنبية في المحال التجارية ،   فالأمر بحاجة إلى متابعة ، ونشر الوعي بأهمية اللغة العربية على المستوى الأسري أيضاً ،  وهو ما أعمل عليه من خلال عملي الجامعي مع فريق طلابي في مرحلة الماجستير من خلال مقرر تدريسي هو الفصحى والعامية .
سؤالي الأخيرـــــ  لكل شاعر مصدر وحي وإلهام ، والعرب قديماً كانت تقول بوادي عبقر وجنيات الشاعر ، فإلى أي مدى يصدق هذا التوصيف لديك ، وفي أي وادٍ تهيم ،  وأية جنيةٍ تلهمك القصيدة التي ذكرت بأنها متجددة ؟
الشعر تعبير عن حالة وتجسيد موقف ، وطرح رؤية من الحياة بأبعادها الموضوعية والفنية ، ودور الشاعر هو دور المصور الذي يلتقط بعدسة مشاعره ما يشعر به من افراح وأتراح ، وبالنسبة لي ، فإني أهيم في وادي الإحساس ، وأتغلغل ذاتي والآخر فيما ملهمتي هي الأنثى التي اختصرت كل النساء ، فكانت القصيدة التي أحاول في كل ما كتبت أن أرسم ملامح شكلها ولم أزل أخربش  بألواني علي أقارب وصف قامتها التي أبت إلا أن تكون لوحة مرسومة ألوانها من بياض الياسمين ، وحروفها ورد اللحظة التي لن تكون ذابلة .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل