الدّوام الرّسميّ وأشياء أخرى

العدد: 
15159
التاريخ: 
الأحد, آب 26, 2018

تؤكّد الجهات الحكوميّة العليا على ضرورة الالتزام بالدّوام في الأوقات المحدّدة وتفرض عقوبات على غير الملتزمين ، لا شكّ في أنّ الالتزام أمر ضروريّ ، على أن يكون التزاماً تامّاً ويشمل كلّ ما تقتضيه مصلحة العمل ، فمن غير المنطقيّ أن تقتصر العمليّة على ضبط الدّوام صباحاً ومساء بإغفال ما بين الفترتين .
جميعنا ندرك تماماً ما هو الحال عليه في كثير من دوائرنا الرّسميّة ومؤسّسات وشركات ومنشآت القطاع العام ، وهنا أجد اختلافاً ما بين هذه الدّائرة وتلك ، وما بين تلك المؤسّسة أو الشّركة وما سواها ، والاختلاف بيّن من حيث الاختصاص وأساليب العمل ، وما بين الخدمات التي تؤدّيها هذه القطاعات ، فمنها ذات طابع خدميّ ، ومنها إنشائيّ ، ومنها ... ومنها .... ، فهل يمكن لنا فرض المعايير نفسها على مختلف هذه القطاعات ...!! ، وهل تتشابه التّعليمات في هذه المؤسّسة مع مؤسّسة أخرى تختلف عنها من حيث طبيعة الأداء ...!! .
الدّوائر الخدميّة تقدّم خدمات للمواطنين تختلف طبيعتها ما بين دائرة وأخرى ، فبعض الدّوائر تتطلّب الخدمات فيها الكشف الذي يقضي بذهاب العامل المكلّف بالكشف حيث موضوع الكشف ليعاين موقعا ما فيقدّم تقريراً بمشاهداته وكشفه الحسّيّ ، وهذا لعمري يفرض انتقال المكلّف من مقرّ العمل إلى مكان موضوع الكشف ، وهذا يقضي بإجراءات تختلف عمّا سواها في دوائر خدميّة أخرى يتطلّب العمل فيها التّدقيق في بيانات ورقيّة ليس إلاّ .
في الشّركات والمؤسّسات الإنشائيّة الأمر مختلف بشكل جذريّ ربّما ، فالمشاريع تبتعد عن مقرّ الإدارة ، وقد تتطلّب بعض الأعمال بقاء العمّال إلى ما بعد انتهاء الفترة المحدّدة للدّوام الرّسميّ ، وهذا يقضي بأنّ واقع العمل يفرض تعليمات تختلف كثيراً عمّا هو الحال في مجال آخر . وهذا ينزلق على كثير من التّعليمات فبخصوص سيّارات الخدمة والآليّات المختلفة الأخرى التي تختلف في ما بينها من حيث طبيعة العمل المطلوب . هنا أيضاً أجد اختلافاً بيّنا ما بين آليّات الخدمة في هذه المنشأة وتلك ، فقد يقتصر عمل آليّات الخدمة في بعض الدّوائر على نقل الأفراد ، في حين تتطلّب ضرورات العمل في أخرى أن تقوم آليّات الخدمة على نقل الأفراد وحمل معدّات معيّنة تحدّدها طبيعة العمل المطلوب . هنا أرى من الخطأ أن نساوي في التّعليمات ما بين مختلف قطاعات العمل ، ومن غير المنطقيّ تحديد كميّات استهلاك الوقود وفرضها على كلّ الإدارات والمؤسّسات والشّركات و ... ، فالدّوائر التي تنحصر جبهات عملها ضمن حدود المخطّط التّنظيمي للمدن تختلف عن غيرها التي تتجاوز جبهات عملها تلك الحدود .
 ثمّة ما يربك الأعمال ويعرقل تنفيذها كما تقتضي الضّرورة والمصلحة العامّة ، فمن بعض التّعليمات والقرارات ما يضعنا ما بين مطرقة التّعليمات وسندان ضرورات العمل ومقتضياته ، والمثال على هذ أن  التّعليمات الحكوميّة تقضي بتحديد كميّات الوقود الشّهريّة وتفرض الالتزام بها وهي / 75 ليتراً / لكلّ آليّة خدميّة ، فإذا ما كان متوسّط نسب الاستهلاك ( فرضاً ) / 14 % /  فيعني أنّ المسافات الواجب على الآليّة قطعها لا يزيد على / 550 / كم تقريباً ، فإذا ما كان مقرّ العمل يبعد عن مركز المدينة ما يقترب من 15 كم فيعني هذا أن انتقال الآليّة من المقرّ إلى مركز المدينة وبالعكس يتطلّب السّير مسافة لا تقلّ عن / 30 كم /  في المهمّة الواحدة ، أي يمكن للآليّة تنفيذ ما يقارب/ 18 / مهمّة في الشّهر الواحد وتقتصر على الوصول حيث مركز المدينة والعودة وحسب ، فما هو الحال إذا ما فرضت طبيعة المهامّ تكليف الآليّة بشكل يوميّ لتنفيذ العمل ...!! هذا بإغفالنا ما يتطلّبه الواقع من تجوال الآليّة ضمن المدينة أو الذّهاب حيث مواقع أخرى تحدّدها ضرورات العمل وهذا ينطبق على كثير من المجريات والوقائع ما يؤكّد ضرورة البحث في طبيعة المهامّ والوظائف لكلّ قطاع بمراعاة الواقع وطبيعة العمل والاختصاص المطلوب  من هذه الإدارة وتلك المؤسّسة أو الشّركة أو .... لاستصدار تعليمات تخصّ كلّ جهة بعينها تختلف عمّا سواها تبعاً لطبيعة الاختصاص والمهام الموكلة والمطلوب تنفيذها .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عباس سليمان علي