رصاص في حمص القديمة .. وأدب الحرب

العدد: 
15161
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 28, 2018

لابدّ من التنويه أولاً إلى أنّه ليس من السهولة بمكان أن تنسج رواية ،على خلفية أحداث افتعلها الإرهابيون وتقشعر لهولها الأبدان ،من دون أن يكون المنجز رواية رعب .فليس سهلاً أن تحقق البهائية الجمالية من الوجع .
ومن العنوان نبدأ ،باعتبارها تمثل قيمة دلالية تلخص المحاور الأهم في المروية (رصاص في حمص القديمة ) رصاص مادة  جامدة ،وجاء نكرة ليضرب في سماء المجهول ،فقد يكون رصاصاً طائشاً.وفي شبه الجملة (في حمص القديمة)تحول حرف الجر (في )من رابطة لغوية محضة إلى أداة تشي بالظرفية المكانية،وحضور الجغرافيا،هنا ،إنّما تجيير لحيثيات المكان وإرضاخه لسلطة السرد الروائي،بّما ينسجم وحقائق الأحداث التاريخية .مع أنّ معاناة الأحياء الأخرى.بل مكابدة السوريين من الإرهاب على امتداد جغرافيتهم ،كانت أكثر فظاعة ً .
تدخل الرواية أدب الحرب من بابه العالي،ملتزمة جهة الضوء ،مشيرة بأصابع الاتهام إلى قطعان الظلام .فقد جسدت الهم الذي تحمله شواغل الأديب من خلال الدعوة إلى التلاحم الاجتماعي ،وإدانة التطرف والخيانة .
ومن حصاد الشر وثمار الجريمة المرّة يبدأ الكاتب عيسى اسماعيل روايته بتقنية (الخطف خلفاً )-فإيمان تحمل طفلها وتدخل به إلى مقر الإيواء ،حيث تقص على أمها حكاية اغتصابها ،من قبل الإرهابي راكان ابن جارهم واثنين من معاونيه وساري ابنها هو ثمرة ذلك الاغتصاب ....!!.
في حين كانت (إيمان )تنتظر تخرجها وزميلها (عبدو)من الجامعة حيث اتفقا على الزواج .
لعلّ هذا هو المحور الأهم في الرواية .هنا حاول الكاتب أن يقارب بين سجل الحرب وموضوعية الحب والغزل ،لينشئ نغماً عشقياً وخيطا من الحب يبدأ من فترة ما قبل الحرب لينتهي بعدها .ولهذا كان همّ الكاتب منصباً على فضح جرائم الارهاب والتطرف ، فصور الشخصيات السلبية (بلال الدهن ..راكان )وبيّن مستواهم الأخلاقي الثقافي والأخلاقي (ولكن يا بني أنت وابني راكان صديقان ،وقد تركت المدرسة في الصف الخامس ،وأنا ضبطكما تشربان الخمر ودخلتما السجن بتهمة السرقة )هذا ما يقوله أبو راكان لبلال متزعم العصابة .
وبيد الحرف يميط الكاتب اللثام عن وجوه فاقدي الأخلاق الذين اعتلوا مركب الخيانة ،ومضوا على قارعة الضياع والانحراف والجريمة ،يغرسون خنجر الحقد في خاصرة الوطن الأم سورية .
فصاحب السوابق (بلال)أضحى إماماً للجامع ومفتياً للعصابة التي تسيطر على الحي .ولعل ما اقترفه من السطو على المرأة الأربعينية واغتصابها يشكل قدوة لغيره من الارهابيين راكان ومساعديه.
إنهم يعانون من عضال الانحراف والجريمة فباتوا يتخبطون في أوحال الشرور والشهوات الضالة ،و بات الشيخ الخالدي يفتي لهم بفعل كل ما يخطر ببالهم من قتل واغتصاب وسلب ونهب ..هكذا كان يسجل الأديب عيسى إسماعيل على رخام الدهر ،إنه ذات مؤامرة استباحت قداسة الوطن ذئاب الخيانة ،فيصور أحد غربان الارهاب إذ يقول (أخرجوا الطناجر ..ودقوا عليها وكبروا ..اقتلوا ..دمروا ..اسبوا نساءهم كفرة )وعلى الأثر عاث الإرهاب الأسود في شرايين السوريين فساداً ،فزرع الأحقاد المستنبطة من فطريات جهل العصور السالفة ،وأغرقوا تضاريس الوطن بدم الضحايا وبات الأهلون الواقعون تحت  سيف الإرهاب في حمص القديمة يكررون الآه بمعمودية الدمع .إذ كيف لهم أن يزيحوا صخرة الآلام عن صدورهم ويطردوا القهر الذي تعنكب في قلوبهم ،وبخاصة بعد أن باتت شعارات الإرهابيين تلوح واضحة على جدران البيوت ....
لقد وضع الكاتب مبضع التشخيص فوق آه الوجع فنقل بأمانة ما تناهى إلى سمعه ،من فواجع الأحداث بعد أن باتت المواجع تتسكع على الأرصفة وتستوطن فضاءات الروح في أحياء حمص القديمة . فينقل شهادات لأشخاص من قلب الحدث ( لقد شاهدت بأم عيني الإرهابيين يطلقون النار بدم بارد على رؤوس الناس ) ص 13.
ويأتي اغتيال الأب فرنسيس مع تصاعد الصفع اليومي ، وهو يعتبر بحق مثالاً للإنسانية والود والمحبة ومساعدة الآخرين . ووثق الكاتب أن أموال المؤامرة تأتي من الخارج وأوضح أن هذه الجرائم والموبقات تسجل في أرشيف الضمير الإنساني وهذا الرصاص هو ضوضاء القلوب الحاقدة التي جرفها تيار التآمر والخيانة والتطرف فأخمدت في داخلها صوت الفطرة ونواميس الاعتدال بعد أن تشبعت بفكر العتمة الطالع من كهوف الظلام ، فعاثت قتلاً وتدميراً ورسمت دوائر الموت في كل مكان .
ويعرض الكاتب الحدث في سياقه الفني بأسلوب ينضح براءة وصدقاً وعفوية من دون مساحيق . ومثل هذا يؤكد واقعية الحدث ( أنا أم راكان ... بيتنا في آخر شارع الأظن .. هل تعرف يا أخي شيئاً عن ابني راكان ؟ أجاب : أليس هو ابن بائع المازوت أبي راكان .. خرج مع المسلحين وهو أحد قادتهم .. ابنك مجرم .)
ويأتي المولود ساري مع ما يحمله من براءة الطفولة ، كمدلول رمزي على ما أنجبته المؤامرة من ويلات ودمار وتهجير .. يتامى وأرامل وأطفال .
كنت أتمنى ألا يقع الكاتب في فخ مصطلح ( الحارة ) هذا المصطلح الذي يضيّق الانتماء كما مسلسل (باب الحارة ) .المنجز الروائي ، هذا ، جاء كقذيفة من عيار التدمير الشامل لكل أضاليل أفاعي الشر المتربصين بالوطن المتسامي نحو الضياء .. وعلى هامش القصة يتضح كيف يهزم موطن النور فطريات الظلام وكيف يأتي رجال الحق رشقة نور على ظلال الليل بعد أن جعلوا الشهادة جسر عبور . فتأكد الإرهابيون وداعموهم أنهم ليسوا أكثر من فقاعة كاذبة وأنهم يخوضون في بحيرة المستحيل ، فبوصلتهم خاوية وسمتهم الهباء وبدت صفرة الخريف تلوح في أفعالهم وانكشفت كذبة ربيعهم الذي يقوم على بحار الدم واقتراف المحرمات .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
محمد رستم