الصراع الاجتماعي في روايات الأديب عبد الغني ملوك

العدد: 
15165
التاريخ: 
الاثنين, أيلول 3, 2018

تتميز روايات الأديب عبد الغني ملوك جميعها تقريباً بما يمكن تسميته بـ :(الصراع الاجتماعي) إنه أوسع من الصراع الطبقي وأشمل في الزمان والمكان وربما يشمل المستقبل أيضاً إن هذا الصراع يظهر رويداً رويداً يبدأ من صراع نفسي فردي وينتقل إلى (صراع الممارسة)  . وما بين هذا وذاك هناك صراع المصالح التي تختبئ وراء الأفكار والأيديولوجيات مستلهمة الأفضل وباحثة عن المهم فالأهم للوصول إلى الأعظم .
إن روايات الكاتب عبد الغني ملوك موّارة بالصراع المتعدد الألوان والأشكال كما هي الحياة . لأن الحياة بالأساس هي صراع بين الخير والشر والحب والكره والضغينة والحقد .يغوص هذا الروائي عميقا  في جيناتنا الداخلية ليظهرها إلى السطح  فيرينا مساوئنا وقليلاً من حسنات سلوكنا :
( في داخلنا عدو .. بقايا  من ترسبات  العهود الماضية المظلمة . الجاهل عدو نفسه الخوف عدو، وعيشنا خارج الزمن مقيت مميت . علينا أن نعيش الزمن كما هو نقوده ونسيطر عليه عن طريق تزودنا بوسائل العيش والقوة . قد نستلهم من تاريخنا ما يحض على ذلك لكننا لم نفهم التاريخ كما يجب والمحصلة أننا أخذنا القشور وتركنا الجوهر)
يبدو أن الشيطان يكمن في داخل النفس الضعيفة . إنها الخصم الأكبر الذي علينا أن نحاربه فمن انتصر على ذاته ملك قيادة نفسه وعرف كيف ينتصر على عدوه وبهذا المعنى فإن العدو الداخلي أخطر من العدو الخارجي وفي هذه الحالة علينا أن نقرأ التاريخ كما يجب ان يقرأ أي بنظرة علمية موضوعية غير متحيّزة . ونفرز الذهب عن النفايات وهنا يحضرني قول الشاعر الداغستاني (رسول حمزاتوف)
( إن أطلقت رصاصك على الماضي فإن المستقبل سيغتالك)
وقد جاء أسلوب الروائي عبد الغني ملوك بسيطاً ساحراً عميقاً يأخذ القارئ فيخدّره ويقوده إلى حيث يشاء . إنه يغوص بك في بحر الماضي لتصطاد اللؤلؤ والمرجان وتبتعد عن الأعشاب الضارة والطحالب و الأشنيات التي تشد البعض إلى قاع التخلف والجهل والعادات البغيضة والتي تمنع ارتقاءنا وازدهارنا وتألقنا بين أمم العالم .
في أكثر رواياته يركز على الفرد والأسرة التي هي اللبنة الأولى في المجتمع ثم ينتقل إلى الحي والمدارس والجامعات يبدو أن الروائي هنا صاحب رسالة أو ربما صاحب مشروع ثقافي متطور لأن الصدق في نبرته ودلالته تدل على وفائه لوطنه ومجتمعه (ما فائدة الإنسان إذا خسر ضميره وربح العالم).
نلمس في روايات الكاتب المبدع عبد الغني ملوك نهجاً فريداً وراقياً ومتميزاً وجديداً في (التنمية البشرية) إنه يقول (بناء الرجال أصعب من بناء المصانع والمفاعلات) وهذا يحتاج إلى أسرة متنوّرة ومدرسة متفوّقة وتوجيه عام متميز وصاحب أفق حضاري بعيد .. إن كل ذلك مرتبط أيضاً بالتنمية الاقتصادية ولا يبتعد فكره هذا كثيراً عن مقولة ماركس (إن البنية التحتية هي انعكاس  للبنية الفوقية) والبنية التحتية هي الاقتصاد والتنمية أما البنية الفوقية التي هي انعكاس لها فهي الأخلاق والمعتقدات والأفكار و المنطلقات .
لا ينسى الروائي عبد الغني ملوك وهو أيضاً مفكّر وصاحب رؤية . وتظهر أفكاره من خلال رواياته و كتاباته، لا ينسى دور المثقفين والمتنوّرين وحملة الرسالات لكنّ هؤلاء أيضاً يظهرون في مرحلة من مراحل تطوّر الوطن اقتصادياً ومحاولاته الارتقاء من أسلوب إنتاج إلى أسلوب إنتاج أعلى. وتنشأ من خلال العمل في المصانع والإدارات علاقات إجتماعية يرصدها هذا الروائي المتميز بدقة فائقة فينقدها أو يمدحها أو يدعو إلى تطويرها ونسج علاقات أفضل مع أبناء المجتمع وأهم ما جاء في روايات الاديب عبد الغني ملوك هو نقده للفساد الذي ظهر في بعض مفاصل الإدارات وفي كثير من الأحيان عزّى سببه إلى تمركز رأسمال جاء من الفساد ثم تم تبييضه وتوظيفه في أعمال خدمية  و كانت الحرب قد كشفت الأشخاص المنافقين أصحاب الاقتصاد الزائف .
إن الروائي عبد الغني ملوك لم ينل المكانة الحقيقية التي يستحقها ولا الشهرة التي تليق بشخصه وأفكاره.
ولا أقصد بالشهرة الشهرة الذاتية الشخصية فقط بل الشهرة الموضوعية الإبداعية التي تضعه في صف الروائيين العرب والأجانب ربما لأنه لا يحب الأضواء ولو سعى إلى الشهرة بنفسه لنالها لكنّ من قرأ رواياته أعجب بها أشد الإعجاب لأنه رصد الواقع كما هو بدون تزويق أو مناورة أو مداورة وسمّى الأسماء بمسمّياتها لكنّ الزمن مستمر وكفيل بأن يعطيه حقه و لكل مجتهد نصيب .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
فائز هشام البرازي