الانفعال عند طفل ما قبل المدرسة

العدد: 
15210
التاريخ: 
الثلاثاء, تشرين الثاني 6, 2018

في عمر ما دون ست سنوات تشتدّ التّناقضات فيما بين الطفل وبين البيئة المحيطة ، وللثّقافة الأثر البليغ في ذلك ، ويشتدّ التّأثير وعدم الاستقرار ونوبات الغضب الشّديد إلى حدّ التّشنّج والعدوان ويبلغ الخوف حدود الذّعر وتصل الغيرة إلى التّحطيم والإيذاء ويبلغ الحزن حدّ الاكتئاب والفرح حدّ النّشوة والابتهاج . وتتذبذب الانفعالات بين مسبّبات الألم والتّوتّر والضّيق وبين زوالها لتحلّ محلّها السّعادة . وقد يجهل كثيرون طبيعة الطفل في هذه المرحلة إذ لا تتّضح لهم خطورة الأسباب التي تدفع بالطفل لاتّخاذ مواقف سلبيّة أو ما يؤذي شخصيّته وبنيته النّفسيّة ، فعلى الرّغم من شعوره بالاستقلال إلاّ أنّه يُدرك أن لا غنى له عن الاتّكال على الكبار ، فصحيح أنّه انتقل من التّفكير بجسمه ( بأعضائه الجسديّة وحواسه ) إلى التّفكير بعقله ، إلاّ أنّ هذا يعتمد على خبراته الذّاتيّة ولكنّه لا يُدرك القوانين وهو غير قادر على بناء المفاهيم على أسس موضوعيّة ولا أن يستنتج بواسطة عمليّات عقليّة بتخطيط أو تدبير منطقيّ وواقعيّ ، فقد تدفعه قدرته على التّصوّر والرّمزيّة إلى الاستغراق في الخيال والأوهام وهنا مكمن الخطر إذا أخطأ الحاضنون فأخافوه من كائنات وهميّة أو طبيعيّة ( كالعفاريت والبعبع والطبيب ) وممّا يزيد في الخطورة عدم امتلاك الطّفل قدرة على مواجهة المخاوف والآلام والهواجس والأوهام ، وقد يعتقد أنّ ذلك لا نهاية له فيترك أثراً بالغاً وسيّئاً ممّا يحثّ بنا لمعرفة ما يجب علينا فهمه والقيام به لدرء الخطر . وممّا هو شديد الخطأ الاعتقاد بأنّ الطّفل يمتلك ما يُؤهّله للتّمييز وفهم التّعليمات ( دون تفهيم ) أو أنّه يُسيطر على الدّوافع ، أو أن نُكلّفه القيام بعمل أو فهم التّناقضات أو أن نُعاقبه على ما لم نشرح له سابقاً مساوئه ...تصوّروا أباً يحتضن ابنه برأفة ومحبّة دافئة ويبدأ بملاعبته ومداعبته ثمّ يقذفه بعنف إذا ما اكتشف أنّه مُبتلاّ ً أو مُتّسخاً ، أو أن يُعنّفه بشدّة بنهره أمام الحاضرين ثمّ يُحاسبه على انسحابه من المجلس أو على برودته وعدم انسجامه أو اكتراثه بالحاضرين ، لأنّ من ذلك ما يوسّع الشّرخ بينهما فيصبح التّفاهم من الصّعوبه بمكان ، إذ تتحطّم جسور التّفاعل وتتوتّر العلاقة ليحلَّ الإحباط والاكتئاب محلَّ الهدوء والاستقرار . وبالنّظر للأهميّة البالغة والخطورة الحقيقيّة علينا استبدال النّهر والتّعنيف بما يقتصر على عتابٍ خفيف أو نظرة لائمة فالطّفل يُدرك أنّه أخطأ ولكن بعد أن يرتكب الخطأ. أمّا إذا عالجنا الأمربالأسلوب التّقليديّ الشّائع كالتّوبيخ والتّقريع والتّقبيح والتّهديد والأوصاف والممارسات غير التّربويّة ( وغير الإنسانيّة إن صحّ التّعبير ) فذلك سيثير القلق عند الطّفل ويحوّله إلى شخص مضطرب يُعاني من صراعات انفعاليّة قد تمتدّ زمناً .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبـَّاس سليمان علي