الرمز التاريخي و الوطني في ديوان «صدى الميماس»

العدد: 
14839
التاريخ: 
الثلاثاء, نيسان 11, 2017

ذلك الخزان الوطني و القومي الإنساني ,المرآة, كما للأنا ماضيا كان , كذلك مستقبلا سيكون .ذلكم هو الرمز التاريخي , الجذر و قاعدة الانطلاق إلى الحاضر الراهن برؤية واعية واثقة . إنه إلى ذلك عين الماشي على دروب الزمان و المكان , لسان تاريخ , فكيف بنا باللسان الشعري يتناول المادة التاريخية فيحولها من رمزها الأول إلى فضائها الكوني  . و إحدى مهام الشعر أنه مصدر من مصادر التاريخ , لأن الأحداث التاريخية و صانعيها تنعكس في الشعر المعاصر  , من خلال توظيف الرمز التاريخي . و قد غرف الشعراء من خزان التراث و رموزه , وتفاوتت مقدرتهم في توظيفه  , لأن هذا العمل أحد الابتكارات في الأسلوب الشعري .
و الشاعر العربي السوري الدكتور أحمد أسعد الحارة له نظريته في الأصل الزماني للكون
 «حين هي الوشائج التي تصل مفردات المكان أو هي متوالية الأوقات الواعية التي تشكل حركاتها أعمارها المتجهة في الزمان «  (1) .
و من كل ذلك , نستطيع أن تتبين الحاضر في مرآة المستقبل .
فالشعر العربي , هو الأكثر تفاعلا , والأرهف اتصالا مع الماضي  منذ كانت «هل غادر الشعراء من متردم « (2) .  و ذلك هو تفاعل المؤثر و المتأثر بآن معا ....!
ففي شعر الحارة  الرؤى مشبعة بالومض التاريخي , الذي قد يتوهج عند شاعر و يخبو عند آخر . إنه وهج آثار ينطلق أمسها حاضرا أو يكاد , و ما أن اغتلى ارتيابه في موائل  الآثار حتى لجأ إلى حواسه يتحسسها  :أهي حقيقة  ؟! أليست هي ذلك الأنا ماضيا  ؟! . فالشاعر الحارة ,  سواء في قصائده الصوفية أو الوطنية أو الإنسانية  , يوظف التاريخ عبر مكونات رموزه , :من عتبتين , الأولى : النظرة القومية الإنسانية التي مسحت شعره برهفها الطبيعة حينا و الفلسفة حينا آخر .
و هي في كل ذلك ترمز إلى التاريخ الذي يفسر ليس تقدم الإنسان ,ماديا , فحسب , و إنما إنسانية الإنسان . فالشاعر الحارة لا يقف عند القطرية أبدا , إلا  ليعبرها إلى شمولية الإنسان . أما العتبة الثانية , فهي النظرة الحضارية للتاريخ عبر لا متناهية من المفاهيم  الثقافية و الاجتماعية و الفكرية  الهادفة , مما يشد إلى فضاء الإنسان من و إلى الذات....!!
   -إن الشاعر يرى الشيء لا شيئا عندما يسبر جوانيته, و يرى  اللاّ  شيء شيئا  عندما تعرى الكلمة عن جسدها فضاء روح شاعرة . و هكذا يقدم الشاعر الحارة رؤاه المترعة بمفاهيم لا تعمى على القلوب عندما يقدمها بنسيج تاريخي مبين . يقول في قصيدته « جلالة العاصي» (3) :
فنفخت  من روحي فيا روح امثلي        و تعددي ما  شئت  أن    تتوحدي
لجلالة العاصي  تحفّ  به   ربى         يعرى لها العاصي المطيع فترتدي
و تمرفأت لي  في الفرات جزيرة       يبكي المضارع بينها  الماضي الندي
 و إذا  القصيدة   لم تكن عربية        عضَت عكاظ  على    نواجذ    مربد
و إذا قرأنا التاريخ في قصيدته  «سنديان الشرق» (4) , فنرى « هانيبال» و هو يطلق زيتون» قرطاجة « حديدا يشلّ به عدائية المتربص في الضفة الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط  :
         و كم زيتونة صارت حديدا       أهانيبال أضربه مثالا
        لو اختار الإله إليه شعبا    لكنا المصطفين له تعالى
و ثمة مقولة أن التاريخ و الجغرافية توأمان , و الشاعر الحارة مولع بالجغرافية  تماما كما هو مولع بالتاريخ , لأن الجغرافية  و كما يرى ,هي الفضاء الحيوي للإنسان ذي الهوية . و هو بين هذا و ذاك يرى في العرب , أو من العرب سائر الرسالات و الرسل  سائر, كانت في هذا الوسط الجغرافي الكوني , و أبدا يتقدم الوسط الإنساني إلى سائر فضاءاته عبر استمرارية  حضارية واعية منتمية إلى أمّة  .
إنها سمة مميزة لشعر الحارة تلك المشاعر المرمّزة  و التوظيفات  المكتنزة بالرؤى و المفردات التاريخية ,  وأحيانا التاريخية  الصوفية التي تعبر عن ولع بالتاريخ و استيعاب عميق له  يقترن , أحيانا , باشتقاق لغوي  ملوّن بصوفية فلسفية . يقول (6):
              لا كنت يا حريتي عبثا      كوني أيا حريتي حبسي
             لأصلّين      إليك      ناطقة      و إليك  في  أشباحي   الخرس
      كوني سوى الماضي هيا امرأة        يبكي مضارعها من البؤس
و لا بد من الإشارة إلى المتوالدات, بل السلالات ,بين عناصر الماضي و الحاضر و المستقبل, بين ما كان وما يكون و ما سيكون . و الشاعر يطلع الصورة من مخابئها و ولكن بالشكل الرياضي الأمثل . يقول عن الشكل الشعري العربي الموروث (8) :
  و حين بعضي طوى بعضي وعلّلني       من الرسالة أن الأمس  فيه   غد
  سل الأبابيل إذ طاف   الكماة  و قد          تأجمعت .. أعلى سجيلها سجدوا ؟
  تمزّق  الزمن  الماضي  حجارتها           , فقد تباذل فيها الروح و الجسد
و قد تأتي القصيدة , عند الشاعر الحارة ,حشدا من الرموز التاريخية  و الروحية ,كما في قصيدته « أم الأوابد و التاريخ «(9) . فهو يمزج بين تاريخين  , تدمر العصر الحالي و تدمر زنوبيا .و الرموز ,  فالقصيدة , تبدأ من الماضي السحيق مرورا بآشور و بابل و  أسوان وآرام إلى درب الحرير و حتى  «أسطورة الجن و أعمدة تدمر الأثرية « ...ثم إلى «بعل « و  إلى ابن الوليد في طريقه إلى تدمر ثمّ اليرموك . يقول :
          عرجت على أمّ الأوابد تدمر           أمدّ   إراءاتي    بكل عنان
           فألفيت كلّي ناظرا كلّ ناظر           و حسبك من عشقين يلتقيان
         مررت أحاميها و لا مثل خالد          فليس سنان ابن الوليد سناني
         أقول إلى بعل ,وثنّى  حداثة            و أعرس بالتاريخ كلّ مكان

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة