تحية الصباح...مطالع الصيف

العدد: 
14880
التاريخ: 
الأحد, حزيران 18, 2017

تخبرنا كتب التراث عن أمور كثيرة تفيض معارف وخبرات وقضايا تلامس صميم علوم وفنون ،وتثري وعينا بدراسات توضح غنى الذاكرة العربية ،وريادة الإبداع في وعي المجدين ،وحصافة التفكير في خصيب كل اجتهاد ...
ولعل ما يناسب فكرة موضوع الفعل عبر سطوره يرسم بعض إشارات إلى مدى اهتمام أولئك الدارسين بالإنسان ذاتاً ،وبه عمقاً نفسياً يرصد طبيعة النفس ،وثمة دراسات عميقة الدلالة ،حيوية المضمون ولعل ما نجده عند “الجاحظ”في حديثه عن تسويقه لظاهرة “الاستطراد “ما يتبين ذاك الاهتمام في قراءة طبيعة النفس ،وواقع الملل وضرورة تجاوز ذلك عبر الانتقال من فقرة إلى غيرها ،لكأنه يحاكي وعي التربية المعاصر ما يطلق عليه “التعليم بالفواصل “
إن وعي ذلك يؤسس إلى مدى الانتباه لدلالة المراحل العمرية وما يستتبع ذلك من فروق فردية ،وميول واتجاهات والأخذ بعين الاعتبار تلبية حاجة أولئك واقع نشىء ،وتسلل أعمار ضمن مفهوم الحاجات من مثل الاستقلالية ،الحاجة للدفء ،للاحترام ،للحب فإشباع تلك الحاجات يحتاج إلى ثقافة معرفية ومهارات تواصل ،وإعمال دربة تعزيزاً لغنى البعد الانفعالي /الوجداني ،وتماهياً مع متسع العقلانية وفق ثنائية التكوين مابين التفكير والانفعال .
وهذا الجهد لإدراك جوهر التنمية لدلالة منتج بشري ،متجذر بأصالة قيم الأعراف وآفاق الأصول ومحاكاة العصر ،كون المرء مسكوناً بعصره بما فيه من مستجدات ،لأن العصر مسكون بإنسانه أيضاً يقتضي الإفادة من الموقف وفق ثنائية استثمار ،للزمن مادة خاماً ،وللمرء ذاته بما لديه من قدرات ومهارات يمكن تنميتها وصقلها .ولعل الصيف يتسع بعد تعاقب خريف وشتاء وربيع دراسة وتحصيلاً وفق عام دراسي .
لذلك يمكن لانسيابية “التعليم”أن تتابع عبر أندية وأنشطة ومناشط تجمع ما بين الجاد معرفة وخبرات ،والترفيهي أنشطة وتنمية مهارات وغنى ذلك محاضرات لمختصين في أصول التربية وعلوم لأصحاب أقلامها كل سطور ولتلاوين مبدعيها كل ريشة ونغم وقافية وحرفة وهواية ...
وبذلك يرى التلميذ /الطالب حضوره عبر اكتشاف مصادر المعرفة وسعادة تناميه وعياً ،إعداداً له ،واعتزازاً به .
فالطفل عبر مساحة عمره يرى اللعب بثمانية أنواعه عبر مناشط ترفيهياً وتعلماً أيضاً من خلال ذلك اللعب والناهض فتوة شباب يرى ذاته قامة في ملعب الزمان طاقة وحيوية و أداء ،وصقل مواهب تتراءى لوحات عبر مرايا محاكاة الميول والاتجاهات .
وهذا يخفف تواصل المدرسةعاماً وستة بالمعنى الدلالي مركزيته زماناً مدرسياً ويتيح الفرصة لوعي التلميذ /الطالب  التملي من زمن المدرسة دروساً ومن زمن الصيف إعداداً

مع اغتنام الفرصة كسباً لخبرات مناهج المدرسة بأريحية تحضير ،وربما عبر دورات مكثفة  تؤكد التفكير لا الحفظ الصم والتأمل والتبصر وامتلاك الرؤى وبلوغ فطنة التصورات فيغدو نمط المعرفة نباهة إنتاج وتفكير ومقايسة وتحليل ،فتدرج المهارة جودة في الزمن وإتقاناً في الصنع مثل حباب الماء النمير على شفاه الضفاف .
وهذا من جانب آخر يعطي للعام الدراسي في دسم التواصل ودهش علوم مناهجه بعد أن مد الصيف بساطه لتلك الأنشطة بأنماط أداء وخبرات معارف زادها ثراء على ثراء ،فلا يكون ملل ولا تكرار وعندما تقوى آليات الإقناع في الإعداد والتدريب وإرساء مهارات الثقة تفعيلاً للمواهب وتعزيزاً للميول والاتجاهات وصقلاً للقدرات لا يستكين المتعلم إلى تعب فكرة معلنة بالحفظ ،بل تراه يوقد شعلة قدراته ليكون منتجاً يصوغ بوعيه روائع تشرق في معطى الاعتماد على الذات ،وقد خبر الصحيفة من تلاها .
إن هذا يؤكد دلالة الشخصية المتنامية التي تجد في مقدح ذهنها أورا لشعلة من ضياء ،وفي متسع اجتهادها فرحاً لكل إنتاج ذاتي المثابرة فلا يتوكأ على عكاز محلول جاهز الإجابة ،غائب آلية التفكير كيف صارت ؟
وهذا فضاء خير للفرد والمجتمع في إعلاء مداميك العمران غير سامقات الفكر ورائعات التصورات ،وشامخات الأعمال والنتاجات وعياً وسلوكاً وهذا غنى لمعنى التربية الجمالية في بهاء الخير ..
إن الصيف حصاد وغلال وأنشطة ومناشط ورحابة زمن واتساع مدى وسكون ليل وهدوة سكينة في إطلالة قمر وفيض تأملات وقالوا في التراث :لو كان للصيف أم لبكت عليه ..يا لروعة مطالع الصيف !.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نزار بدّور

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة