حمص الذاكرة الوجدانيّة في ديوان « ويورق الحرف ياسميناً »

العدد: 
15009
التاريخ: 
الاثنين, كانون الثاني 8, 2018

 يبدو الشاعر د. وليد العرفي في ديوانه « ويورق الحرف ياسمينا ً »مسكونا بجغرافية مدينة حمص التي ولد ونشأ فيها ، وقد تجلّت تلك العلاقة صورة ًشاملةً الديوان كلَّه ، وظهرت بداية ً ووسطاً ونهايةً ، ولا أدري إن كانت مصادفةً أم عن مقصديّةٍ أرادها الشاعر أن يرتّب ورود حمص (اللفظة والدلالة ) بهذا التسلسل ، إذ نجده مسكونا بهاجس الحبّ الذي يجد فيه نفسه من خلال أنثاه التي توزّعت دلالتُها ورمزيّتُها في الديوان كلِّه ، ليشكّلَ الحبُّ والأنثى حاملَ الديوان وجناحيه ، فيما تُتّخذ حمصُ فضاءَ ذلك التحليق العشقيّ، فأوّلُ استهلالٍ للشاعر في ديوانه نجد قصيدته التي عَنْونها (حمص ) فكأنما هي الوقفة على الأطلال إذ يناديها :
يا حمص ردّي إلى الأهداب أحداقا قد فاض عاصيك ثمّ ارتدّ رقراقا
إنّها الوقفة الطلليّة التي تنادي الدياَر بمسميّاتها وأحداثها ، وما آلت إليه واقعا بعدما عانته من آلام الحرب ، فها هو الشاعر يطلب من مدينته أن تعيد الحقيقة وأن ترى وتكتشف زيف المؤامرة الإرهابيّة التي أرادوها مدمّرةً للإنسان والوطن ، فالعاصي يتّخذ ها هنا دلالتين :
1ـ مكانيّة : هي نهر العاصي ، وهي الدلالة الحقيقية .
2ـ مجازيّة : مستوحاة من العاصي الذي ضلّ السبيل ، وحاد عن الطريق الصحيحة ، ليعود العاصي بدلالتيه الحقيقية والمجازية إلى سمته الصحيح ( رقراقاً) كما يجب أن يكون .
ويستحضر الشاعر حمص بهذه القصيدة من خلال الذاكرة التي اختزنت أحزنَ قصّةِ حبٍّ انتهت بصورة تراجيدية بمقتل الحبيبة على يد حبيبها ، باستحضاره قصةَ (الجارية ورد وشاعرها ديك الجنّ الحمصي «عبدالسلام بن رغبان » ، حيث شكّلت تلك الإحالة تناصّيّةً على الواقع من خلال الربط بين حالة عشق حبيبين انتهت بمأساة ، وحالة واقع المدينة :
         كأنّما ديكُ جنٍّ جاء معتذراً            ل(ورده) طائفاً بالحزن آفاقـا
         تخضّبت بيديه خنجراً نزقاً            وكم توسّدها بالأمـــس أعناقا
 ليفتح من خلال هذه الإحالة بوابة المدينة التي لا يرى أمام انغلاقها مفتاحاً إلا مفتاح المحبة، وهنا أشير إلى أنّ معرفتي الشخصية بالشاعر وقربي منه تمكنّني من القول : « إن انشغاله بالهمِّ الاجتماعيّ أوجد فيه تلك النزعة، فكان داعيةً للتسامح والتلاقي ونبذ التباعد» :
     ما للمحبّة غير الصفح يرجعها           والعفو من شيم الإنسان أخلاقا
     مدّوا أكفكم و تلقوا القلوب بها            تجمّعت ،كــلُّ خلٍّ خلَّه لاقــــــى
ثم يتوجه إلى المدينة ،يعبّر عن هواجسها ، وما يختلج داخلها من مشاعر تجاه أبنائها الذين فارقوها ، فيقول بلسان حالها :
وللأزاهــــــير أرواحٌ معلّقــةٌ               فزهرها لفراق الأهـــــــل ما طاقا
فما نداها صباحاً غير دمعتها              وما سوى عطرها قد فاح أشواقا
ليؤكد حقيقة أن الحب وحده هو الجامع والشامل لأبناء حمص :
فليس في حمص غير الحب يجمعنا        مهما افترقنا يظل القلب خفّاقا
وحمص ماهي إلا جزءٌ من خارطة الوطن كلها ، ولذلك يعبّر من خلالها عن سورية :
سوريّتي ، وأنا الحمصيّ أحملها            فكراً ونبضاً ، وجلّ الحمل أعناقا
فما سوى بردى يروي بنا ظمــآ           وما سواها نرى في الحسن أحداقا
وما سوى ياسمين الشام عطّرنا            وقد حملناه ضمن الروح أطــواقا
وهكذا ، يمازج الشاعر في هذه القصيدة الحسّ الوطنيّ من خلال الانتماء إلى (حمص) والانتماء إلى الوطن الأكبر (سورية ) في صورة يتماهى فيها الفرد بالجماعة ،والجماعة في فردية الوطن وقداسته ،ذلك الهم المتماهي الذي يتجلى في قصيدته الثانية أيضا عن حمص ، وقد عنونها (إميسّا) وفيها يبدو الشاعر وصّافاً يصور بعدسة أحاسيسه ما تقع عليه عينه الباصرة قبل المبصرة ، إذ يتجول في شوارعها عبر ذكريات ارتبطت بأيام جميلة ، وقد تحولت ظلالا داكنةً ومشاهد شبحية تلاحق الشاعر وهو ـ لأياً ـ يحاول الهروب منها :
                                   حمص تطاردني بعينيها
                                  وتسألني عن الأحباب
                                 وأنا المحبّ العاشق المغرور
                                 أهرب من إجاباتي
                                 وأسئلة على الأهداب
   وهو في هذا المسير يجد نفسه غريبا مجهولأً بين المعالم السابقة التي تغيرت فأضحت طللا وجوديا يستوقف فكر الشاعر ومشاعره ، فيقول :
وأسير في حمصٍ وتنكرني شوارعها
ثم يحاول استحضار المدينة من خلال ربط الماضي بالحاضر في محاولة استنهاض شعوري يزيل قتامة المشهد الحقيقي
لا روضة الشعراء جامعة  لشلّتنا
ولا الدبلان مكتظّا كما كانت مساءاتي
ولا الحارات حارات ولا الجيران جيراني
غريب فيك يا حمص العدية
كل حارات بما فيها تعاني
وهكذا يبدو المكان الجغرافية النفسية طللا في ذاكرة الشاعر الذي ارتبط به بذكريات وأصدقاء ، فما المكان إلا بشخوصه ، ويغلّف الشاعر د/ وليد العرفي ديوانه ببيت شعر عن حمص أيضا يقول فيه :
يا حمصُ ما زال في الميماس عشّاقُ       والياسمينُ على الشرفات مشتاقُ
ولعلي لا أجانب الحقيقة إن قلت بأنه قد أراد أن يوجه رسالةً واضحة ، ويحدد معالم طريق خلاص اجتماعي عبر هذا الديوان الذي ، وإن غلب عليه الغزل إلا أن البعدين الوطني والاجتماعي شكّلا الهاجس الأعمق ، وهو ما تبدّى في قصائده عن حمص التي شكّلت الحامل للهمّين الخاصّ والعام مع ملاحظة أنّ الشاعر قد بدأ قصيدته الأولى (حمص ) برويّ القاف المطلقة ، و كانما أراد من خلالها التعبير عن المدى المفتوح على سنوات الأزمة ،وامتداد تأثيراتها الاجتماعية التي طالت كل أسرة ، وأنهى الديوان ببيت وحيد جعله على الغلاف الأخير وكان برويّ القاف المضمومة ، وكأنما أراد من خلالها ضمة جمع ، ولمة شمل وعناقاً يجمع كل أبناء الوطن تحت خيمة الحب والتسامح ، وثمة ما يُستوقَفُ عنده في شعر د/ وليد العرفي ، وهو امتيازه بخاصية السهولة والعذوبة ، فعندما تقرأ شعره تجد نفسك منسابا معه لا تستطيع التوقف إلا عند انتهاء القصيدة ، فكأنما هي بحر تدفعك أمواجه بانسيابية وعذوبة محببة ، فتشعر بموسيقا وشفافية البحتريّ، فهل يحق لي  وصفه «ببحتري حمص «، أو» بأبي فراس البحتريّ الحمصي «، ولا بد من الإشارة إلى أنه حلّق بجناحي التراث والمعاصرة شكلاً ومضموناً وإيقاعاً ، فقصيدته الأولى عن حمص كانت عموديّة على البحر البسيط ، فيما انتقى لقصيدة (إميسا ) شعر التفعيلة التي بناها على تفعيلة واحدة  مع جوازاتها ، وهي (متفاعلن ) من البحر الكامل .
وهكذا يبدو الشاعر الدكتور وليد العرفي في ديوانه «ويورق الحرف ياسميناً » نسراً محلقاً في فضاء الشعر بجناحي التراث والمعاصرة ، وهو يرسم مملكة حبه بألوان قوس قزح ، ويطرّزها بياسمين الحبّ.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
فراس فائق دياب

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة