فنان من الذاكرة.. التشكيـــلي : عــدنان الــرفاعــي

العدد: 
15088
التاريخ: 
الثلاثاء, أيار 8, 2018

ينتمي النحات الراحل «عدنان الرفاعي» إلى جيل ما بعد الرواد في الحياة التشكيلية السوريّة الحديثة، فقد أخذت أعماله النحتيّة طريقها إلى أروقة المعارض الدوريّة الرئيسة في سوريّة، في وقت مبكر (1952) وحصلت بعض أعماله على جوائز، وكل ذلك تم قبل دراسته الأكاديميّة لفن النحت في أكاديمية روما التي بدأها عام 1958 وأنهاها عام 1962، سافر بعدها للعمل في السعوديّة التي مكث فيها مدة خمس سنوات، عاد بعدها إلى دمشق، حيث قام بتدريس مادة التربية الفنيّة في عدد من مدارسها, وفي العام 1972 وعلى أثر انجازه لتمثال «زكي الأرسوزي» الموجود حالياً في حديقة المزرعة في دمشق، عين معيداً في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، أوفد بعدها إلى المدرسة الوطنية العليا للفنون في العاصمة الفرنسيّة «باريس» لمتابعة تخصصه في النحت وفي عام 1981 عاد إلى القسم ليعمل فيه مدرساً لمادة النحت حتى إحالته إلى التقاعد عام 1991.
‏ قام النحات الرفاعي بانجاز عدة أعمال نحتيّة صالونيّة صغيرة، ونصبيّة كبيرة، لكنها بشكل عام، ظلت قليلة ومتواضعة في المجالين، أي أنها لم تتمكن من الكشف عن ملامح تجربة نحتيّة متميزة خاصة به، لاعلى صعيد التقنية ووسائل التعبير، ولا على صعيد الأسلوبيّة أو الصياغة، وإنما ظلت أعمالاً متناثرة وغير متواصلة أو مستمرة, فقد كان النحات عدنان الرفاعي مقلاً في ممارسته لاختصاصه، ولعل ما أنتجه قبيل مرضه وأثنائه، يعادل كل ما أنتجه خلال حياته، وهذه الأعمال تحديداً، هي ما شكّلت معرضه الاستعادي الذي جهدت زوجته ، حتى تمكنت من إقامته، وهي من قام بتشجيعه ودفعه، لانجاز هذه الأعمال، ومن ثم حملها إلى المختصين في مجال صب البرونز، وتحويلها من «الطين» إلى هذه المادة المقاومة والدائمة، كما حرصت على دفعها إلى المعارض الجماعيّة التي أقامتها كلية الفنون الجميلة ونقابة الفنون... وغيرها، حرصاً منها على التذكير به، وتالياً منحه أسباباً دائمة لمواصلة الانتاج، وصولاً إلى تحقيق الرغبة التي كانت تسكنه قبل مرضه، وهي إقامة معرض فردي لأعماله، وهو ما تحقق أخيراً .


‏ ومن المعروف أن عدداً من أعمال المعرض أنجزها آخر أيامه في الحياة، وأن أحد هذه الأعمال، ربطه بمغادرة روحه لجسده، ما يشكل حالة نادرة لفنان توقدت جذوة النشاط والعطاء فيه، بعد أن تعطل نصف جسده، لكنه بالارادة الصلبة، وبالفن ومن خلاله مضى الى حقول الحياة ليعيش فيها عقداً كاملاً، بنصف جسد!!.. ‏
خلال تجربته بكاملها لم يغادر النحات عدنان الرفاعي الضفاف الواسعة والمتلونة للواقعية، سواء في الأعمال النصبية الكبيرة، أو الحجرية الصغيرة، وهذا ما تابعه في المنحوتات التي نفذها قبيل مرضه وبعده، إذ ظلت الصيغة الواقعية المبسطة والمختزلة، حاضرة في هذه الأعمال، وظلت ثنائية الحياة «الرجل والمرأة» موضوعه الأساس الذي عبر من خلال التنويع بوضعياتهما، عن العلاقات السامية والنبيلة التي تربط بينهما، أو بين المرأة والمرأة، كما عالج في عدد من منحوتاته، جماليات الجسد الأنثوي ، وبالصيغة نفسها الواقعية المختزلة السطوح والتفاصيل، وقام في بعضها، ببتر الأيدي، وتجنب الفراغات ضمن كتلة التكوين العام، بهدف ابراز وتأكيد متانة وقوة معمار العمل، وعكس حميمية وشفافية الموضوع، لذلك جاءت غالبية كتله النحتية، متوازنة، راسخة الاستقرار والارتكاز  ولأنه شعر بثقلها وحضورها القوي في الفراغ، لجأ إلى التنويع في وضعيات رؤوس الشخوص، وحركة أجسادها وأطرافها، واعتماده تقنية خشنة وعفوية، في معالجة سطوحها الخارجية، ودراسة الحركة في واجهاتها كلها.. ‏
هذا الانتاج النحتي المتنوع معالجة ومضموناً الذي تركه لنا النحات عدنان الرفاعي، يشكل جزءاً هاماً ومبكراً من ذاكرة النحت السوري المعاصر، ما يستدعي منا رعايته، والحفاظ عليه، وتوثيقه، وادخاله الى حافظة هذه الذاكرة «كتباً كانت أم صالات ومتاحف» لتبقى شاهداً على من أسس لهذا الفن، وناضل طويلاً، على جبهات العيش والفن، ورحل بهذه الطريقة المأساوية المفعمة بالمعاناة الصامتة والصعبة التي حاول مداراتها والتغلب عليها، بروحه المرحة، المحبة للنكتة والحياة والأصدقاء.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة