لغة الأدب العربي بين العامية والفصحى

العدد: 
15141
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 24, 2018

لعل مثل هذا الموضوع الذي نطرحه يحتاج إلى كلمات كثيرة وصفحات أكثر للوصول إلى نتيجة ما يكون مفادها الانتصار للغة الفصحى على العامية، وذلك وفق طرح مناقشة منطقية بعيدة عن الانفعالية، والتعصب لها ضد العامية. ولكن قبل البدء بطرح موضوع اللغة العامية واللغة الفصحى في الأدب العربي لا بدَّ من تعريف مبسّط لهذه اللغة التي تشكل المادة الأساسية أو المادة الأولية التي يستقي منها الأديب ليصنع الأدب أو يبدعه، فهي ليست سوى المادة الخام للأدب، وبشكل آخر يمكننا القول عن اللغة: هي العنصر الأساسي من عناصر الأدب، وهي الوسيلة التي يستخدمها الأديب من أجل إيصال ما يريد إلى المتلقي، إذن هي وسيلة لا غاية، إلا فيما ندر من أنواع الأدب المصنوع المتكلّف الذي تظهر فيه الصنعة فوق الطبع والإبداع العفوي، وهذا مذموم في عالم الأدب وهو أيضاً مما يؤخذ على الأديب.
ومما يثير الدهشة أن هناك بعض الجماعات تدعو إلى تسهيل اللغة الفصحى واستخدام اللغة العامية في الأدب، وهذه الدعوة باطلة ومجانبة للصواب دون شك، لأسباب عدة سنحاول أن نوردها عند المقارنة بين العامية والفصحى.
وعندما يخوض المرء في حديث كهذا يجب عليه العودة إلى جذور هذه المسألة المعضلة القديمة، فمنذ العصر الجاهلي وحتى الآن لا تزال هذه الدعوة تتراوح بين مد وجزر، ففي العصر الجاهلي كانت هناك اللهجات العربية المتعددة وهي بمثابة اللهجات العامية في عصرنا هذا حسب اعتقادي، وإن كان هناك بعض الاختلاف في ذلك، إلا أن العرب في الجاهلية كانوا يعتمدون الفصحى كلغة للأدب وهذا الأمر دعا الدكتور طه حسين إلى اتخاذه كأحد الأسباب في قضية الانتحال عندما جاء بأدلة وبراهين يثبت عن طريقها قضية نحل الشعر الجاهلي والتشكيك في صحته ونسبته إلى شعراء الجاهلية متذرعاً بأن الشعر الجاهلي لم يكن يمثل اللهجات العربية، ولكن الدكتور شوقي ضيف ردّ على الدكتور طه حسين في كتابه ( العصر الجاهلي ) مشيراً إلى أن العرب في الجاهلية كان لديهم لهجات عدة إلا أنهم اتفقوا على لغة واحدة لكتابة الشعر الجاهلي وكانت هذه اللغة هي اللغة الفصحى المعروفة اليوم عندنا. ونخلص من هذا الحديث إلى أن هذه القضية ضاربة العمق في جذور الحياة الأدبية العربية.
وإذا ما انتقلنا إلى اللغة الفصحى واللغة العامية اليوم فإننا نرى الفصحى لغة كتابة الأدب وحفظه، وتتمتع بسمات عدة منها أنها تحمل بعداً تاريخياً وأصالة عريقة، وتمثّل اللغة الأم لكل اللهجات العربية، فهي الأقوى والأشمل لأنها تحتوي كل اللهجات.
وأما عن العاميّة فهي لغة الحديث والكلام، وصحيح أنها تساعد بشكل كبير في إيصال الفكرة بسرعة ومباشرة وتمتاز بمرونة تساعد صاحبها على التصوير الدقيق للواقع، وخاصة في الأدب الشعبي، وتصوير الأمور الواقعية البسيطة، لكنها تفتقر إلى أمور كثيرة تؤدي إلى موتها وزوالها ضمن نطاق محدود. فمهما استطاعت أن تفعل اللغة العامية لا يمكنها أن تتعدى بعض الأقاليم، أو إقليم جغرافي واحد منحصر عن جاره حتى، فمثلاً اللهجة العامية السورية تختلف كثيراً عن التونسية والمغربية، وهذا ما يمنع فهم كلا الأدبين في البلد الآخر.
فكيف يأتي من يدعو إلى كتابة الأدب باللغة العامية؟؟!! قد يكون هذا الأمر جائزاً في نوع واحد من أنواع الأدب، بينما في الأنواع الأخرى يُرفض رفضاً قطعياً لعدم قدرته على متابعة حياته، والأدب الذي يموت بسرعة لا يُعتبر أدباً، إذ إنه من الواجب على الأدب أن يخلد ويسمو في عالم الإنسانية، وهنا لا بدّ من طرح الأنواع الأدبية بشكل سريع ودور العامية في كلّ منها، فأما عن الشعر فمن المحال أن تكون تجربة العامية أقوى من الفصحى فيه، فمثلاً الشعر البدوي قد يستعصي فهمه على الإنسان الحضري الذي يعيش في المدينة، مما يحدد نطاق هذا الشعر ضمن إقليم واحد.
وأما عن القصة والرواية فالأمر ذاته، والدليل على ذلك أن رواية (ذاكرة الجسد) للكاتبة الروائية أحلام مستغانمي، وهي كاتبة جزائرية، وروايتها كُتبت باللغة العربية الفصحى، استطاعت أن تنتشر في كل أرجاء الوطن العربي وخارجه ممن يقرؤون ويكتبون العربية، ومع ذلك هناك بعض الكلمات أو العبارات القليلة جداً أوردتها الكاتبة باللهجة العامية الجزائرية نراها مستعصية على فهمنا من القراءة الأولى.
فلا بدَّ إذن من استخدام اللغة الفصحى في هذه الأجناس الأدبية التي سبق ذكرها.
وإذا ما انتقلنا إلى المسرح الذي يُعتبر «أبو الفنون » فاللغة المسرحية دائماً يجب أن تكون فصحى، وعندما نتحدث هنا عن المسرح يجب علينا أن نضع جانباً كلّ لهو وعبث مما أُدرج وأُقحم تحت اسم هذا النوع الأدبي، فالتهريج لا يمت للمسرح بصلة، فمن الضروري أن يكون الحوار المسرحي مكتوباً بلغة فصيحة.
صحيح أن المسرح قد يتطلب في بعض الأحيان اللغة العامية،حسب مزاعم البعض، ولكن لا يمكن الاستغناء عن الفصحى، فالمسرح دائماً يعالج قضايا الناس، ولا أظنّ أن الفصحى تقف عاجزة أمام هذه القضايا، أما العامية فيمكن لها أن تضفي نوعاً من الفكاهة ليس إلا.
وهنا يحضرني ردّ على كل من يدعو إلى استخدام العامية في الأدب متذرعاً بعجز الفصحى عن الإيفاء بغرض تصوير الواقع وخصوصاً فيما يسمى الأدب الشعبي وأدعوه أن يعود لما كتبه الجاحظ، هذا الرجل الذي اعتلى عرش النثر الأدبي في العصر العباسي، عصر ازدهار الأدب، واستوى عليه ....حيث أجاد تصوير الواقع بحذافيره، وكتب ذلك بلغة عربية فصحى، بعيدة كل البعد عن العامية. فأين يكمن تقصير الفصحى في تصوير الواقع؟
الجاحظ الذي كتب على لسان الظرفاء والبخلاء والعامة والسوقة فأجاد في كل كتاباته، ولو أن الفصحى لم تكن تفي لكان أول من استعان بالعامية في الأدب العربي.
وفي النهاية بعد كل ما ذكرناه يمكننا القول إن اللغة العامية تقف عاجزة أمام الفصحى فهي غير قادرة على الاستمرار ومتابعة الانتشار، لأنها محصورة ضمن حدود معينة، ولا يمكن حفظها وضبطها بقواعد ثابتة منتشرة في كافة أنحاء العالم ويكفيها أن القرآن الكريم هو الحافظ لها ولا يمكن أن تنحسر في يوم من الأيام أو تموت، فلا بدّ إذن إن أردنا لأدبنا العربي الاستمرار والخلود أن نجعل دعامته الفصحى وننحي العامية جانباً إلا في مواضع قليلة ومحدودة كالمسرح التجاري والتهريج ليس إلا.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
رواد موسى عودة