الكاتب ونصه ...

العدد: 
15144
التاريخ: 
الأحد, تموز 29, 2018

لا يمكن الحديث عن فصل كامل بين الكاتب ونصه، فحتى عندما يتعمد الكاتب ارتداء أقنعة فإن وسيلته هي لغته الخاصة التي تكشف ثقافته ومعرفته، فأسلوب النص يدل على صاحبه دون مواربة.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن النقد الأدبي الحديث ابتعد عن حياة الكاتب الشخصية، وتناول النص كبنية مغلقة على ذاتها، منعزلة عما حولها، بل بالغت تيارات الحداثة في ذلك، حتى إن أحد كبار نقادها تزفيتان تودوروف: (1939-1900) الناقد البلغاري المعروف، حذر من خطورة هذا الأمر على أدبية النص، وأصالته، ومبرر حضوره.
إذا لا بد من التعرف على الكاتب عن قرب لإضاءة زوايا سردية لا يمكن كشف أغوارها دونه. رغم أننا نستطيع الاستمتاع والاستفادة من كتابات الكثير من الأدباء رغم جهلنا بسيرتهم الذاتية. ولكن تلك السيرة حاضرة بطريقة ما في أعمالهم، بل معرفتها قد تسهم بشكل مباشر في إضاءة بعض الجوانب المعتمة في نصوصهم، في حال تواجدها، فثمة كتاب يضيئون نصوصهم تجنبا لتأويلات في غير مكانها، أو تحاشيا لعزل القارئ عن نصهم.
    وهنا يجب التأكيد على أن الكاتب في مجال الرواية والقصة والمسرحية مطالب بالفصل الكامل بينه وبين نصه فنيا، فحضوره المباشر يفسد عمله لأنه سيكون على حساب شروط هذه الأجناس، فالنص السردي الجيد لا نرى فيه المؤلف، ولا نحس بحضوره، رغم أننا نعرف أنه الصانع لهذا النص الذي بين أيدينا. فموت المؤلف بحسب تعبير الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت (1915-1980) غير ممكن في حقيقة الأمر، بل الممكن هو تنحية المؤلف جانبا لقراءة النص بعيدا عن حضوره الطاغي، ولكن ليس طوال الوقت، فللعمل صاحب لديه أفكاره وآراؤه الخاصة.
أما الأدباء الذين لا يتعمدون الكتابة عن قناعاتهم الذاتية وأفكارهم الخاصة، وقد يكتبون عكس قناعاتهم لغاية ما، فهم يمثلون الانفصال الشديد بين الكاتب والنص على المستوى الأخلاقي فقط، وليس الفني بالضرورة، فقد يقدم هذا الأديب نصا جيدا مكتوبا بطريقة احترافية لأنه أجاد صناعة الكتابة.
ويحضرنا هنا الحديث عن صناعة الكتابة والتأكيد بأنها ليست بالأمر الجديد، فقد تحدث عنها (أبو العباس القلقشندي) في العصر المملوكي، في كتابه (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) الذي قضى في تأليفه تسع سنوات، وكان موسوعة في موضوعه. وقبله الكاتب والشاعر العباسي (أبو هلال العسكري) في كتابه (كتاب الصناعتين) أي صناعة الشعر والنثر. وذلك بطريقة تناسب عصرهما.
مع العلم أن طريقتنا بالحديث في المجال ذاته- على الرغم من التراكم المعرفي والإبداعي والنقدي- غير بعيدة بالكامل عما قيل من قبل!.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي