«مدرسة الشعر السوري» من ميليا غروس إلى محمد الماغوط

العدد: 
15135
التاريخ: 
الاثنين, تموز 16, 2018

 ألقى الدكتور نزيه بدور الناقد والأديب محاضرة في رابطة الخريجين الجامعيين  عن المدرسة السورية في الشعر وقال :
أقدم في هذه الورقة مقاربة ثقافية خاصة لمفهوم الجاهلية في الشعر مدعياً أن الثقافة السورية لم تعرف الجاهلية وبالتالي فإن الشعر /وسائر/الفنون الأخرى لم تخرج عن حدود القيم الانسانية الخالدة التي تمجد الحياة وتتمسك بالحب وقدسية الجمال  نبراساً لها ..
إن دراسة متأنية فيما كتب عن الشعر السوري ونشر  منه في العصور السابقة لولادة السيد المسيح تؤدي إلى التسليم بأن الفرس وشعوب اليونان ومصر عرفوا الشعر السوري وعرفوا ما يسمى «بمدرسة الشعر السوري» بواسطة مجموعة من الشعراء السوريين الذين كتبوا باللغة الأم كما كتبوا باللغة اليونانية وقد تناقل ذواقة الشعر أشعارهم مكتوبة ، إن هذه المدرسة اشتهرت في القرون الثلاثة السابقة للميلاد ،وبالتحديد في العصر الهلنستي والذي يحدد في الفترة من 332 ق م إلى 32 ق م .
وأضاف: إنني في هذه العجالة وكي لا أكون معجباً بالماضي وغارقاً فيه أقدم شاعرين من شعراء سورية المعاصرين وهما جبران والماغوط وأترك لكم ملاحظة التشابه بالتفكير والتعبير وملاحظة أن شعلة الحياة لم تخب على هذه الأرض  أرض الحضارات .
وقدّم للمحاضرة عالم الآثار ملاتيوس جغنون عبر السكايب – من كندا بالقول:
يسعدني جداً أن أبعث بكلمة تقديم موجزة بديلة عني تقوم مقامي وتقرأ نيابة عني كما يلي :
من ميليا غروس الجدري السوري ،إلى الماغوط السلاميسي السوري امتداد زماني شاسع وكأنه البارحة وامتداد مكاني يمسح مسافات تخترق العمق الجغرافي السوري من ركن في جنوبه إلى آخر في شماله وكأنهما على مرمى النظر أحدهما من الآخر ....فهل بدلت الحقب الزمنية التي فصلت بألفين من الأعوام ونيف بين السلف والخلف من أصالة الانتماء وعبقرية الفكر ؟هذا  ما سيحدثنا عنه الدكتور المهندس نزيه بدور الرئيس الحالي لجمعية العاديات في محاضرته تحت عنوان «من ميليا غروس إلى الماغوط»
ميليا غروس  الشاعر السوري المثقف
ولد ميليا غروس عام 140 ق.م في مدينة «جادارا «السورية وعاش مرحلة شبابه فيها ،التي تحمل اليوم اسم (أم قيس)وتوجد في الزاوية الشمالية الغربية من الاردن ،وأمه مواطنة سورية أصيلة من سكان هذه المنطقة أما أبوه «أوقراطس » فهو مواطن سوري  من أصل يوناني .
وقد تربى على فلسفة تدعو إلى المحبة بين البشر وإلى فعل الخير ،خلاصتها :«الانسان أخ للإنسان »،/مهما اختلف عرقه ولغته .كان ميليا غروس يجيد ثلاثاً من لغات عصره :اليونانية والآرامية والفينيقية ،وكان يلم باللاتينية أيضاً .
ارتحل في مرحلة شبابه إلى مدينة صور اللبنانية ثم قصد اليونان وقضى مرحلة كهولته وشيخوخته في جزيرة «كوس «التي توفي فيها عن عمر يناهز الثمانين عاماً في سنة 60 ق.م ....كان مثالاً ناصعاً لعالمية السوريين وأخلاقهم وآدابهم ....
 يهيمن على قصائده جو الاساطير اليونانية مذكراً إيانا بأنه يمثل معلماً رئيساً من معالم الثقافة الهلنستية ،فمن آلهة الجمال إلى آلهة الحب والرغبة والمراعي ،كلهم حاضرون بقوة في صوره الشعرية .
من النصوص الشعرية للشاعر السوري ميليا غروس
قصائد إلى زينوفيلا ،القصيدة الأولى :
«إن الورود قد ذبلت
على جبين حبيبتي الحسناء
أما هي فما زالت مشرقة
لأنها وردة الوردات
القصيدة الثانية :الكأس
ابتسم الكأس
وهو يلامس شفاه «زينوفيلا» التي تقطر عسلاً
كم هو محظوظ هذا الكأس
آه لو  تعب روحي كلها بنفس واحد
 وهذا كان وراء أن النقاد الأوربيين اليوم يصفونه بـ «رائد المدرسة السورية في الشعر »
أرخياس
أرخياس شاعر و نحوي و سياسي سوري ولد في أنطاكية عاصمة سورية في الحقبة الهلنستية سنة 118 ق.م و في رواية أخرى 108 ق.م سافر إلى روما ليتابع علومه ، له الكثير من الشعر المحفوظ باللغتين اليونانية و التي كان يكتب بها و اللاتينية  نظم أشعاراً في الحب و المديح و فلسفة الموت
من قصائده قصيدة بعنوان « إله الحب »:
أنت أيها الطفل
إنك تسيئ معاملتي
حسنا أفرغ كل سهام جعبتك في قلبي
لا تترك سهماً واحداً
سأكون الوحيد الذي يتلقى ضرباتك
و لكن حين تود أن تصيب قلباً آخر
لن يبقى لديك أي سهم  

الشاعرة السورية  إيرينا من العصر الهيلينستي نفسه :
من هنا و حتى أراضي العالم الآخر
يجتاز الصوت عرض النهر بلا طائل
لأن الصمت يخيم في عالم الموتى
و قد غطت الظلمات
و انسكبت في العينين
و نذكر بابريوس – من أفاميا – و الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد
أما لوقيان السميساط « 120-180» م فلم يكن شاعراً فحسب بل تصفه الأخبار بأنه كان فيلسيوفاً أيضاً   ذاع صيته في القرنين الثاني و الثالث الميلادي ، و في رصيده الابداعي أربعة و ثمانون كتاباً نثرياً و كتابان شعريان مسرحيان هما « تراجيديا النقطة »  « القدم الرشيقة»
ها قد قدمنا شاعرين سوريين من العصر الهلنيستي و لكن السؤال الذي يطرح نفسه : ألم تعرف هذه الأرض شعراء كبارقبل  ذلك ؟ الجواب نعم ، في  عصر الثقافة الهيلينية السابق  للعصر الهلنستي عرف العالم شاعرة سورية فينيقية عظيمة تضاهي وتعاصر الشاعرة الإغريقية « سافو  أو بسافا» العظيمة ، وهي الشاعرة « بيليتيس » والتي تنتمي الى القرن السادس قبل الميلاد تقريباً(ولدت 610 ق.م)
قضت الشاعرة طفولتها  في بلدة تقع شمال غرب سورية قبل أن تنتقل إلى قبرص العاصمة  الدولية الفينيقية حينها ، والتي تمتزج فيها موسيقا أشعار وملاحم وأساطير العالمين الفينيقي والإغريقي معا
عاشت بيلتيس  في قبرص ولكن قبرها – وهو تقريباً المصدر الوحيد للمعلومات عنها – وجد قرب مدينة بورسعيد  المصرية
كان قبر بيلتيس هو المصدر شبه الوحيد عن شعرها وحياتها ، وقد اكتشف قبرها العالم الألماني (م.ج. هايم ) في منطقة قريبة من بور سعيد.
 وتابع :في إحدى قصائدها التي ترجمها الشاعر السوري الصديق « شاكر مطلق « نلمس شعورالأنثى الحقيقي ، قلقها وتمسكها بطاقة الشباب وشعلة الحب قبل أن تنطفىء وكأننا أمام قصيدة لسيدة من القرن العشرين ، القصيدة بعنوان :
الحبيب الأخير
 أيها الفتى..
لاتعبر دون أن تحبني
فأنا ما أزال جميلة
 لاتبحث عن حب العذارى
فالحب فن عسير لايعرفن عنه إلا القليل
 وقد تعلمته طيلة حياتي لأمنحه لحبيبي الأخير
سأضحي معك بكل ما تبقى لي من شبابي الضائع
 لأجلك سأحرق الذكريات
وأعطيك مزمار ليكاس وزنار ميناسيديكا
كانت تلك مقتطفات  من أشعار المدرسة السورية في الشعر بمفرداتها الشعرية ( سلام ، حب ،  قبلة ، ورود، خريف ،لآلىء ، قصور، معابد ...)
والآن وقبل أن نعود الى عصرنا الحاضر ونقدم شعراً سورياً لجبران خليل جبران و الماغوط
سأقدم أبياتاً لشاعر الجاهلية الشهير عنترة توفي 610 م وهي تحمل بعض القيم البدوية والأدوات الشعرية التي تختلف عن البيئة السورية من قديم وغابر الزمان ، فالشاعر هنا يقف على أرض من الرمال تمتد من جميع الجهات الى مالانهاية وليس له إلا التطلع إلى قبة السماء ليلتمس ألفاظاً في وصف حبيبته:
«أشارت إليها الشمس عند غروبها
تقول إذا اسود الدجى فاطلعي بعدي
وقال لها البدر المنير ألا اسفري
فإنك مثلي في الكمال وفي السعد»
 وهي مثال عن استخدام طبيعة الصحراء في سمائها وليلها نهارها وشمسها وقمرها استخداما مباشرا في الغزل .
 اللغة العربية كانت أداة طيعة على لسان الشاعر السوري المعاصر فأحسن استخدامها وأكسبها مرونة وسحرا جديدين .. وهذا جبران خليل جبران الذي حمل معه طبيعة سورية الى المغترب  وعبر في شعره عن كروم لبنان السوري وضوء وروحانية الوطن  عندما تغدو الموسيقا خير صلاة :
 هل اتخذت الغاب  مثلي .. منزلاً دون القصور
فتتبعت السواقي .. وتسلقت الصخور
هل تحممت بعطر.. وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمراً.. في كؤوس من أثير
 أعطني الناي وغن .. فالغنا خير الصلاة
 وأنين الناي يبقى.. بعد أن تفنى الحياة
 وهنا تتدفق الكلمات لتنعكس روحانية الشاعر وطبيعة موطنه  : الغاب ، سواقي ، صخور ، عطر، نور ، فجر ، خمر  أثير ناي وغناء ، صلاة وحياة ، وهي مفردات  تزدحم في ستة أبيات فقط ، مفردات تؤلف حياة ساحرة جميلة لا يمكن لفتى الصحراء أن يتخيلها ..
 محمد الماغوط:  (لوكانت الحرية ثلجاً لنمت في العراء)
لنسمع ما قاله الشاعر نزار قباني للماغوط: « أنت ، يا محمد ، أصدقنا .. أصدق شعراء جيلنا . كان حزنك وتشاؤمك أصيلين .. وكان تفاؤلنا وانبهارنا  بالعالم خادعاً».
لقد وعى الشاعر الماغوط شخصيته الثقافية ، ومن ثم أتى بنص يغاير مشهد القصيدة العربية بشكل عام أن الصور الشعرية وهذا المنطق وهذا الفكر وهذه المقابلات  في الألفاظ لتشكيل المعنى النهائي تحمل ارث الثقافة السورية ببساطة التعبير والانعتاق من موسيقا الشعر الخارجية التي كانت ستشوش على موسيقاه الداخلية..
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل