مختارات --- قادة الفكر

العدد: 
14908
التاريخ: 
الأربعاء, آب 2, 2017

ماالشعر ؟وعلى أي ملكة من ملكات النفس يعتمد ؟وما الفلسفة ؟وبأي ملكة من ملكات النفس تعتز ؟أليس الشعر لوناً من ألوان التصور وضرباً من ضروب الحس والفهم أقل ما يمكن أن يوصفا به أنهما يعتمدان على الخيال قبل كل شيء ؟يعتمدان على الخيال فيدركان الحقائق لا كما هي بل كما يتصورانها ،ويحكمان على الحقائق ،لا كما ينبغي أن يحكما عليها .بل يستطيعان أن يحكما عليها .أليس الشعر ولا سيما الشعر القصصي الذي كانت إليه قيادة الرأي في العصور الأولى ،مظهراً من مظاهر الطفولة الإنسانية وصورة من صور الحياة الساذجة الغليظة ! وإذا كان الأمر كذلك ،فالفرق بين الشعر وبين الفلسفة عظيم .ذلك أن الفلسفة لا تعتمد على الخيال ولا تعتز به ،وإنما هي مظهر الحياة العقلية القوية ،وهي وسيلة الإنسان أن يتصور الحقائق كما هي ويحكم عليها الأحكام التي تلائم طباعها ،أو قل :إنها الوسيلة التي يتصور الإنسان الحقائق ويحكم عليها بعقله لا بخياله ولا بحسه وشعوره ...تعتمد الفلسفة على النقد ،ويعتمد الشعر على التصديق .
فقد كان سلطان الشعر القصصي مسيطراً على الحياة اليونانية سيطرة كاملة في القرن الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد ثم أخذ العقل اليوناني يوجد وينمو ويسيطر قليلاً على الحياة والغريب أن سيطرته الأولى على الحياة لم تأخذ مظهراً فلسفياً وإنما احتفظت بالصورة الشعرية ،أريد أن العقل أثر في الشعر فجعل حظه من الفهم والحكم أعظم من حظه في الخيال والحس ،وأخذنا نجد في الشعر القصصي ضروباً من الفهم أومحاولة الفهم وألواناً من الحكم أو محاولة الحكم لم نجدها فيه من قبل ،ومعنى ذلك أنّ العقل أخذ يختلس سبيله إلى الحياة اختلاساً ويسلك إليها طرقاً خفية يسلكها شيئاً فشيئاً دون أن يشعر الناس بذلك أو يلتفتوا إليه ،وأخذ الشعر كلما عظم فيه تأثير العقل يفقد جماله الأول وسذاجته الطبيعية شيئاً فشيئاً ،حتى استحال إلى شيء لا نستطيع أن نسميه شعراً وإنما نحن مضطرون إلى أن نسمع نظماً.

طه حسين

المصدر: 
العروبة