تحية الصباح.. نوافذ 46

العدد: 
15160
التاريخ: 
الاثنين, آب 27, 2018

1
كثيرا ماتوقّفتُ عند مَن يصعِّر خدّه، ويتنافخ بشيء من الكبرياء، لسبب ما، لاسيّما الذين يدفعهم لهذا المنظر المقزِّز، أنّهم قد صاروا من ذوي الجاه، أو المال، وكنتُ دائماً أشعر أنّ لديهم من النّقص في أعماقهم، وربّما الخزي بقدر انتباجهم، وما استطعتُ تقبّل هؤلاء، على الرّغم من أنّ المرات التي التقيت فيها بهذا النّموذج، ماتكاد تُذكر، قياسا إلى مايمرّ على طريق الحياة، وفي كلّ موقف متجدّد تبرز الآية القرآنيّة الكريمة:”إنّك لَنْ تخرقَ الأرضَ ولَنْ تبلغ الجبالَ طُولا”، والان يلفتني في هذه الآية أنّ المحتوى كان بإحالتهم على الجمادات الميتة، الأرض والجبال، على مافيها من جمال وإبداع في التّكوين، هم بكلّ تأكيد خلوٌ منه.
2
بعض النّاس يكادون يتوقّفون عند كلّ مايمرّ بهم، لأنّه لابدّ أن يسوق إلى معنى ما، وأتذكّر حالنا حين كنّا نفرح بمجيء الكهرباء، في ذروة الحرائق المتصهينة، كطفل تعطيه قطعة حلوى، أو تقدّم له لعبة ليتسلّى بها،لم يكن مجرّد انقطاع للتيار الكهربائي، بل هو فرض حالة من العطالة، وتفريغ للمكان من محتوياته، وعليك أن تبتكر ماقد يساعدك على اجتياز الوقت، لاسيّما حين لايكون الوقت وقت نوم.
أجد نفسي أحيانا دون قصد أقف عند تلك المجازر الوحشيّة التي ارتكبها الإرهابيون، والخطْف، والقتل على الهويّة، وتسعير الفتنة الطائفيّة المذهبيّة التي شحنوها بقدر حقدهم، وبحجم الأموال التي ضخّها لهم  أعراب من دول الخليج، فأشعر بالقشعريرة تتلبّسني، ثم أنظر في الوقت ذاته إلى الصحوة الجماهيريّة على امتداد هذا الوطن، فتتفتّح زنابق الرّوح على رفيف الأريج .
أعتقد أنّه سيكون لدى البعض مساحات واسعة للتذكّر والمقارنة، والمراجعة، واكتشاف الكثير من النّعم التي كنّا فيها وحرَمَنا منها منطق التكفير، ومذاهبه، الوطن يحتاج لجهود إضافيّة للتخلّص من تلك الرّواسب.
3
قال له قاريْ الكفّ الأرمنيّ، الفارع الطول، والذي كان يجلس يوميّا في مقهى (الهافانا) في دمشق قبل أن يتحوّل إلى مقهى للأدباء والفنّانين، وكان ذلك في أوائل ستّينات القرن الماضي،.. وكان يقرأ الكفّ، ويفتح بورق اللّعب، ( الشدّة)، ويقرأ الفنجان، وكلّ هذا بليرة سوريّة واحدة، قال في أوّل جلسة له معه إنّه، أي الأرمنيّ لو كان يملك دكانا، وجاء به والده إليه ليتعلّم شيئا منه، لَما رضيَ به أجيرا، وتابع لأنّه لو قال له ضَع هذين الصندوقين الفارغين في السقيفة، فسيأخذ واحدا ويترك الآخر، أمّا على الكتاب فإنّك تجلس لساعات، ثمّ نظر مليّا وقال أنت تحمل وجدان قاض، وجدان قاض نسيتُها، أمّا مايتعلّق بالصندوقين فما زلت أتذكّرهما كلّما طُلب منّي تبديل جرّة الغاز، أو تبديل ماء البطّاريّة..
aaalnaem@gmail.com

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم