الشاعر الدكتور غسان لافي طعمة : أرّخت شعرياً العدوان على الوطن و صمودنا بوجه المعتدين .. نصوص الماغوط إبداعية وليست قصائد

العدد: 
15113
التاريخ: 
الثلاثاء, حزيران 12, 2018

هو من شعرائنا المعروفين له حضوره في مهرجانات الشعر في حمص يكتب  قصيدة العمود و قصيدة التفعيلة و له رأيه في قصيدة النثر حديثنا  عن رحلته الشعرية و عن أطروحته لنيل الدكتوراه و عن مدينة  القصير التي يذكرها  كثيراً في شعره إنه الشاعر الدكتور غسان لافي طعمة
التقيته و سألته عن بداياته فقال:
يعيدني سؤالك عن المحاولات الأولى أكثر من نصف قرن إلى الوراء فأبدأ باستعادة شريط العمر من منتصف الستينات فالدراسة في المرحلة الإعدادية كانت بالنسبة لي غنية بالمطالعة و قرأت كتب جبران خليل جبران الأجنحة المتكسرة الأرواح المتمردة البدائع و الطرائف ... كما قرأت نظرات و عبرات المنفلوطي وترجماته : بول وفرجيني أو الفضيلة و ماجدولين او تحت ظلال الزيزفون كما قرأت ديوان الشاعر – خليل مطران – كما كنت أبدأ نهاري بالاستماع إلى البرنامج الإذاعي المتميز – مرحبا يا صباح - الذي كان يقدمه الإعلامي المذيع الرائع – منير الأحمد – طيب الله ثراه فأخذت أحفظ القصائد التي تغنيها فيروز من شعر : سعيد عقل – بشارة الخوري – نزار قباني – جبران خليل جبران ... كما كنت أختم نهاري بالاستماع إلى برنامج الليل و الشعر و الموسيقا – الذي يقدمه الإعلامي المذيع : عادل  خياطة طيب الله ثراه، و أيضا حفظت القصائد المختارة التي كان يلقيها و إلى جانب ذلك الموروث الحكائي الشعري من عتابا و شروقي و زجل الذي كنت أحفظه عن أبي و أصدقائه و منهم اللبنانيان الزحلاويان :
يوسف حاتم و مطانس غزالي و كانت خربشتي الشعرية الأولى أثناء التحضير لامتحان الشهادة الإعدادية و لا أذكر منها إلا المطلع
سرقت  عابرة مني خيالي            أين منها وجه بدر أو هلال
و في دار المعلمين في حمص و خلال أربع سنوات من الدراسة تفتحت   براعم الموهبة الأدبية بفضل مدرسين أدباء و هنا أستمطر الرحمة على الأستاذ محمود فاخوري و أدعو بطول العمر للأستاذ حنا عبود و في رحاب جامعة دمشق بدأت البراعم المتفتحة تعطى عطرها و إن كان على استحياء – بفضل توجيهات أساتذة وأدباء كبار منهم : الدكتور شكري الفيصل الدكتور حسام الخطيب و في الجامعة كانت المشاركة في مسابقة شعرية جامعية أولى بقصيدة عنوانها – مقهى – فازت بالجائزة الثالثة وأذكر منها :
مقهى و تثاؤب نرجيلة
و عقول تجلس مخبولة
و في عام سبعين رأت أول قصيدة نفسها على الغلاف الداخلي لمجلة - فلسطين الثورة و كانت في رثاء الفدائي -أحمد محمود عمار – من ابناء بلدتي – القصير - الذي استشهد في غور الأردن و يوم نشرها كان يوم فرح لا محدود و منعطفاً  هاماًفي مسيرتي الأدبية
و سألته عن القصير التي نشأ و ترعرع فيها و له فيها شعر كثير فقال :
القصير – يا صديقي بلسم روحي و فرحي الغامر ..  أما اليوم فهي جرحي النازف ووجعي الاليم لقد كتبت عنها مجموعتي الشعرية الثالثة – مهاد الروح – التي صدرت ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب عام ألفين قلت في مستهلها:
أنا ذرة من ارضك الجذلى
و نبض في فؤادك
خبأت من عبق الطفولة وهجه
و مضيت أبحث عن مرادك
فإذا تألق بي اليراع فحبره
قطرات ضوء من مدادك
أهواك أرض طفولتي
و اظل أغرق   في ودادك
القصير كانت الدار الريفية الملآى بالفل و القرنفل و فم السمكة و الياسمين و دوالي العنب و الزيتون كانت ست الحبايب و سيد الندامى كانت رفاق اللعب على البيادر و صيد السمك البني من تحت صفصافة حانية على الماء.
لقد قلت فيها في مهرجان قادش الثالث في أيلول    عام خمسة و تسعين
هذي القصير و هذي الروح و البدن       إني أحب و بيت القلب مرتهن
هذي القصير تضيء اليوم ذاكرتي        فاجمع دفاترك الصفراء يا زمن
فتلك سيدة الأحباب حانية             
          على الورود   تمنت كفها المزن
و ذاك سيد من صاغوا  الكؤوس ندى     و كان يشرق من أسراره العلن
سقياً لصفصافة أرخت ذوائبها  
        على رفاق الوفا حلوا و ما ظعنوا
أما اليوم – و أنا أزعم أنني أرخت شعرياً العدوان على وطني سورية في مجموعتين – فإنني سأجيبك بمقطع شعري .
لا . لا أنتمي لخرائب الموت المخيم فوق داري
لا . ليس هذا باب بيتي
إنه الوجه القبيح لمن تمادوا
في اختراق قداسة الجيران
وانتهكوا لطافات الوطن
لا ليس هذا باب بيتي
باب بيتي كان يأنس بالورود
ففلة ترنو إليه
وعطرة تحنو عليه
تلملم الأنفاس كي تتشكل القبلات
في ثغر الزمن
و عن شعر العمود و التفعيلة و قصيدة النثر و رأيه في هذه الأشكال قال د. طعمة :
 الشعر الحقيقي يبقى شعراً سواء أكتب بالشكل التقليدي – العمودي – أم بالشكل التفعيلي الحديث ولنا أمثلة  كثيرة وغنية  فيما أبدعه : محمود درويش ونزار قباني ، فإذا أخذت مصطلح الناقد يوسف اليوسف – الشعر العظيم -  أرى أن قصيدة محمود درويش – وطني :
وطني يعلمني حديد سلاسلي   عنف النسور ورقة المتفائل
وقصيدته – مديح الظل العالي
بيروت / ليلاً:
يمدح الشعراء قتلي في مجالسهم
ويرتعدون مني حين أطلع بينهم صوتاً  وظلاً
أراهما من الشعر العظيم
مثلما أرى قصيدة الشاعر نزار قباني – من مفكرة عاشق دمشقي: فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا    فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟
ومن تجربتي الشعرية أستطيع أن أقول لك : ثمة علاقة جدلية بين الشكل والمضمون في الشعر كما في بقية الفنون، وخصوصاً الموسيقا لأن الشعر موسيقا ، فإيقاعات  سمفونية – النصر – لبتهوفن  ، صاخبة مجلجلة  أما ايقاعات جنائزيات – باخ- فهادئة ناعمة .
فالمضمون يحمل معه شكله المناسب في تلك العلاقة الجدلية بينهما التي سبق أن ذكرتها ، فحين أثارني موقف الفتاة الفلسطينية المقاومة – عهد التميمي – وجدتني أنشد بعفوية :
جن الظلام ، فأشرقت عهد                   والذل يظهر  ذله الضد
ورمت على الأعراب صرختها               فتثاءب المأجور والعبد
 وحين رحلت ست الحبايب أنشدت – بنفسجة لأمي –
تتوسدين ضلوع ذاكرتي
أراك تلملمين العطر في آذار
من بوابة الدار الحنونة
تنشرين الصبح للجارات
بالبوح الخفي
ولدي تأخر،
تغرقين الوقت بالصلوات
ياربي سألتك أن يعود على يديك
إلى يدي
أما ما يسمى – قصيدة النثر – فلي فيها رأي قد لا يعجب بعضهم ممن يمارسون هذه الكتابة مستسهلين الكتابة ، أنا أرى أن الشعر شعر والنثر نثر والخلط بينهما يؤدي الى فوضى أدبية ، فهذا المصطلح- قصيدة النثر – مازال غائماً وقواعده غير واضحة رغم أن : « سارة برنار» وضعت كتاباً عن قصيدة النثر ولكنه كتاب فرنسي عن الأدب الفرنسي وقصيدة النثر عندهم وإن اعتمد الكثيرون عندنا عليه للتنظير لهذه القصيدة ، وعلى الرغم مما أبدعه الراحل  محمد الماغوط في كتبه : غرفة بملايين الجدران ، الفرح ليس مهنتي ،  فإنني أراها نصوصاً أدبية إبداعية – ماغوطية – وليست قصائد نثر ، فالتصنيف غامض والحدود مبهمة و إن قبلنا به سندخل في بستانه عشرات النصوص التي أبدعها جبران خليل  جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة  وغادة السمان وغيرهم كثيرون .
لقد أعجبتني تجربة الشاعر سميح القاسم حين مزج الشعر بالنثر في نصوص لأنه أطلق على الكتاب الذي ضمهما – كولاج – ولم يقل قصائد نثر .
و سألته ماالذي فعله الشعراء في التصدي للمؤامرة الكونية على سورية . وخاصة أن  الشعر ضمير الناس و تاريخ الأمة فقال :
نعم إنها مؤامرة كونية في اتساعها وتباعد أطرافها ، صهيونية في بؤرتها المركزية ، خبيثة في وسائل ضخها الإعلامي ، وهذا ما جعل الكثيرين ، وخصوصاً  من الأدباء – يفقدون الرؤية السليمة ،   وقد فقد كثير منهم البوصلة الحقيقية على الرغم من انكشاف مهندس الربيع العربي الصهيوني الفرنسي – برنار هنري  ليفي – الذي كان ينتقل من مكان الى مكان  بحرية ، وعلى الرغم من تحركات السفير الامريكي – روبرت فورد  - وقد لعب الاعلام المعادي دوراً خطيراً في اضطراب الرؤى وغموض المشاهد  حيث كان يبث الفيديوهات المفبركة ويحضر المؤتمرات الى جانب وزراء خارجية أعداء سورية .
هذا كله جعل الرؤية ضبابية غائمة ولكننا لا نعدم شعراء أرّخوا شعرياً وفنياً لما جرى ويجري  ولكن لي عتب شديد على وسائل اعلامنا المرئية التي قصرت في التواصل مع الشعراء والمفكرين السوريين لتوصل رؤاهم وابداعاتهم الى الشعب  .
فمن صمت ونأى بنفسه اكتشف خطأه أو سيكتشفه وسيغرق في ندمه ، أما من أنشد ومازال فيحتاج الى منبر لتصل رؤياه الى الناس ، لقد أنشدت منذ بداية العدوان على وطني :
يابن شعبي وشقيقي
بصة الجمر حريقي وحريقك
والى الطاحون يمتد  طريقي وطريقك
كيف ترضى أن نكون
دونما خبز وتنور أليف؟!
كيف ترضى أن نكون
نبتة صفراء في يأس الخريف ؟!
فهل وصل إنشادي إلى أكبر عدد من أبناء شعبي ؟! لقد قرأت قصة قصيرة  للأديب سامر أنور الشمالي في مجموعته – سيكون في جديد الزمان – بعنوان : - الرصاص الفارغ – تمنيت أن تصل الى كل بيت في سورية ، فهل تصل ؟! لقد ضل شعراء طريقهم ، وصمت شعراء .
و عن النقد الادبي و هل واكب عملية الابداع عندنا .. و هل هو مقصر قال طعمة :
النقد  الأدبي عملية ابداعية مركبة تتلو العملية الابداعية ، عملية خلق القصيدة  أو القصة أو المسرحية ، ولذلك يحتاج الناقد الى ثقافة موسوعية ورؤية واضحة ونظرة ثاقبة ومنهج  واضح ، ولذلك قل  النقاد على الساحة الأدبية على كثرة المبدعين ، وكان نقد من أحاط قصائدي برعايته ونقده : الدكتور  عادل فريجات الذي تناول  مجموعتي الأولى – فاتحة يوسف العربي – بالدراسة النقدية الموضوعية والناقد الراحل أحمد المعلم الذي تناول مجموعتي الثانية – جمرة الندى-  بالدراسة ، والناقد الراحل حديثاً – دريد يحيى الخواجة – الذي  تناول  مجموعتي الشعرية الثالثة – مهاد الروح – بالدراسة النقدية الجادة .ولا يفوتني أن أذكر أن نقاد الشعر  قليلون على ساحة الأدب  السوري المعاصر ، ومن هذه القلة النخبة : الناقد حنا عبود في كتبه : النحل البري والعسل المر ،  من تاريخ القصيدة ، القصيدة والجسد  والناقد الدكتور دريد يحيى الخواجة ومن كتبه الصفة والمسافة . الغموض الفني في القصيدة  العربية الجديدة . القصيدة لا الشعر ، التشكيل  وبيئات  اللغة والدلالة في الشعر العربي المعاصر .
و عن اختياره للأسطورة في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه و أهمية ذلك في تجربته الشعرية أجاب الشاعر طعمة :
لقد كان العمل في الاعداد لهذه الأطروحة غنياً ، شاقاً ، ممتعاً ، لأنه دفعني الى قراءة أكثر من ستين كتاباً في ميدان الأساطير من الغصن الذهبي لغريزر – وحتى – مغامرة العقل الأولى – لفراس  سواح ، بالاضافة الى كتب : سيغموند  فرويد  وتلميذه :  كارل غوستاف يونغ وهو صاحب نظرية الأنماط البدئية  أو الأولية الراسخة في الذاكرة الجمعية للبشرية . بالاضافة الى ما أبدعه الناقد العالمي الكندي – نورثروب فراي – صاحب نظرية – الميثة .
كما دفعني الى قراءة أكثر من مئة مجموعة شعرية لشعراء عرب سوريين قراءة متأنية من أجل التقاط الأنماط الأسطورية البدئية فيها ومتابعة انزياحاتها الفنية ، من أجل فهم هذه القصائد فهماً عميقاً .
هذا جعلني أصل  الى حقيقة معرفية أدبية جوهرها : لا شعر خارج  الأسطورة ، فالأسطورة تعيش داخل القصيدة ، والأنماط الأسطورية الأولية تغلي فيها وإن كان الشعر لا يحس بها أحياناً لأنه يعيش داخلها ومن هذه الأنماط : نمط الخلق ، نمط الطوفان ، نمط التنين .
وقد أغنت هذه الدراسة تجربتي الشعرية أيما إغناء من خلال توظيف الأسطورة والرموز الدينية والطبيعية والاجتماعية في قصائدي عن غير قصد مني لأنني أصبحت أعيش في قلب الأسطورة شعرياً .  وصرت أقرأ  شعر الآخرين من خلال معطيات النقد الأسطوري  وأشعر بمتعة في اكتشاف  الأنماط الأولية وتتبع انزياحاتها في القصيدة الحديثة ، فحين أسمع شاعراً يقول  : -ناهض من رماد احتراقي –
يطل علي طائر الفينيق  الذي يحترق ليخرج من رماده فينيق جديد ، وتتجدد الحياة .
و عن علاقته بصحيفة العروبة  قال د.طعمة:
تعود علاقتي بصحيفة العروبة الى أربعين عاماً،  فقد نشرت في هوامشها اليومية – يوم كان رئيس تحريرها  الأديب الشهيد : فائق المحمد كما نشرت  في ملحقها الثقافي ، وتعززت علاقتي بها أكثر عندما  كلفني الصديق رئيس تحريرها : فايز مطلق .  بإعداد صفحة لأدب الشباب،  فبدأت بإعدادها وأطلقت عليها صفحة – عبقر – وكانت البداية شاقة وصعبة وكثيراً ما كنت أعيد صياغة بعض النصوص وأكتبها بخطي  لتكون صالحة للنشر ، وأسبوعاً بعد أسبوع كان عدد الأصدقاء يزداد  والنصوص ترتقي  سوية أدبية ، وكثرت الرسائل التي تصلني من خارج محافظة حمص ، وكنت أزداد استمتاعاً وغبطة باكتشاف مواهب  أدبية حقيقية ، ولم أخب ظناً بها لأنها صقلت مواهبها وغدت أسماء أدبية لامعة وقامات سامقة في دنيا  الإبداع
ومنها الشاعرطالب هماش والشاعرة قمر صبري الجاسم والقاصة والروائية:  مريم خضور ، والقاصة : فادية عيسى قراجة ، والأديبة سلام تركماني والشاعرة لينا جنيات والقاص الراحل عبد الخالق الحموي ... وأسماء كثيرة أعتذر أنها لم تحضرني الآن .. وتجربة الإعداد لصفحة – عبقر-  أغنت تجربتي الثقافية ، وحرضتني على متابعات وقراءات من أجلها وإذا كانت قد تعثرت قليلاً في سنوات العدوان على سورية  ، واحتجاب الصحيفة ورقياً ، فإنها رغم التعثر استمرت ولم تتوقف ، وهاهي تعود الى النهوض ، وأحسبها ستزدهر  أكثر فأكثر وستبرز منها أسماء جديدة على الساحة الثقافية ، وهذا أهم أهدافها .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل