الدراما العربية المشتركة ... تجارة تخضع لقوانين الربح والخسارة

العدد: 
14907
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 1, 2017

حققت الدراما العربية المشتركة ما لم تستطع السياسة العربية فعله في مجتمعاتها، حيث كسرت شركات الإنتاج، الحدود القائمة بين البلدان العربية ، بما ذهبت إلى تقديمه  في السنوات القليلة السابقة ، من أعمال درامية تلفزيونية، “مشُكلة” على مبدأ من كل بستان زهرة،ليصبح من الطبيعي أن تشاهد الأسرة العربية، حكاية عائلة كل فرد فيها يحكي لهجة مختلفة عن الآخر، يناقشون ويحبون ويتشاجرون كل بلهجته، رغم كونهم أخوة والطبيعي أنهم تربوا بذات الشرط الأسروي والاجتماعي والثقافي،إذا لماذا يغفل صناع تلك الأعمال عن هذه المشكلة , وكيف سيتقبل المشاهد العربي «أينما وجد» هذا التناقض « الأخوة كل منهم يتحدث بلهجة مختلفة « وهم ضمن بيت واحد؟!.  
سوق لشركات إنتاج
ذلك المثال من واحد من العديد من الأمثلة  عن كون ما يسمى بالدراما العربية المشتركة، هي سوق لشركات إنتاج تعمل وفق رأس المال الخاص بها , ، وآخر همومها أن يكون ما تقدمه من فن، يحمل رسائل كما يدعي أي منهم في أي لقاء، وستبقى كذلك طالما أن المشهد الفكري والفلسفي والسياسي، لم يعد موجودا إلا ما ندر، حيث لم يحدث أن خلا المشهد الفكري العربي، من وجود أسماء ذات ثقل فكري وثقافي ولها ثقلها وأثرها الاجتماعي المباشر، في حال خاطبت المجتمعات التي تنتمي إليها، لتكون في ريادتها الفكرية الحقيقية لا المزيفة كما نرى الخواء الحاصل الآن، فعندما يغيب الفكر وأهله، تسود الفوضى، وهذا تماما ما أرادته تلك الشركات الإنتاجية المشكوك في خلفياتها الأيديولوجية أساسا،
كما أن ظاهرة البطولات العربية المشتركة في الدراما عموما، ليست ظاهرة جديدة على المشاهد العربي، فأرشيف السينما العربية يضم العديد من الأفلام السينمائية “المصرية– السورية– اللبنانية بشكل خاص” التي كان يجتمع بأحدها مثلاً أربعة أو خمسة نجوم من أهم النجوم العرب، وغالباً ما كانت هذه الأفلام تحمل أفكاراً «خفيفة نظيفة»، وفيها ما يشدّ المشاهد إن كان في قصة الفيلم التي تدور حول الحب وقيمته غالباً، أو بالأداء الممتع الذي قدّمه أولئك العمالقة الكبار مثل فريد شوقي ودريد لحام ورفيق سبيعي وشادية ونهاد قلعي وصباح وفهد بلان وآخرين، الذين أظهروا بشكل رومانسي طبيعة الحياة في المجتمعات العربية وإن كانت تلك الظاهرة نقلتها بشيء من «المبالغة» أحياناً، وهذا ربما ما كان يشدّ المشاهد، الذي لن يتأخر عن الذهاب إلى السينما،  عند نزول أحد الأفلام الجديدة التي تجمع نجومه المحبوبين، عوضاً عن مشاهدته لفيلم أجنبي.
قوانين الربح والخسارة
إلا أن الأساس الذي كان من الممكن البناء عليه في حال وجد فن عربي حقيقي، قيمته في مستواه الفني، لم تنسحب على الدراما التلفزيونية العربية المشتركة التي بدأت تغزو الشاشات العربية ً، بعد أن أصابت حمى الدراما التركية والهندية عقول وأفكار المنتجين العرب، وبالتالي اختلفت المفاهيم الفنية التي كانت حاضرة في الأمس بكامل عناصرها، وأصبح الفن عبارة عن تجارة تخضع لقوانين الربح والخسارة ذاتها.
الغريب في الموضوع أن العديد من النجوم السوريين المخضرمين، الذين لمع نجمهم وصاروا من الوجوه المطلوب رؤيتها عند المشاهد العربي بالدرجة الأولى ، قبلوا أن يعاملوا من شركات الإنتاج وكأنهم سلع، قبلوا أن يكونوا شخصيات كمالية ,ووجودهم فقط هو لإضفاء مزيد من الهالة على نجمة العمل، التي هي عارضة أزياء بالأصل، وأداؤها غالباً ما يكون عاديا  انطلقت بعدها إلى نجومية كبيرة .
ولا نعلم إن كان بالإمكان التماس العذر لهم فالإقامة في المدن العالمية تحتاج إلى أموال طائلة ، والمبرّر للمستوى المتدني التي يظهرون به جاهز تحت لسانهم «هكذا يريد المشاهد» ولكن ما أدراكم أنه المشاهد يريد هذا، القصة أن المشاهد  يتلقى ما قدم له وتفاعله أو عدمه لم يعد أمرا ذا قيمة، فهناك آلة تعمل ليل نهار، للحديث باسمه وما يطلبه.
ونتحدث  عن الشكل العام لهذه الدراما العربية المشتركة السيئة ، منها مثلا أثر هذه البطولات الجماعية في المستوى والقيمة الفنية للعمل الدرامي، فضلاً عن قيمة القصة نفسها التي تقدّم، إن كانت تستحق هذا السخاء الإنتاجي أم أنها قصة مأخوذة من عدة أفلام أجنبية،
يوما ما كان السعي أن يكون  للدراما العربية «التلفزيونية » منها تحديدا (لوجودها في متناول الجميع)، الأثر الكبير في تقريب الوجدان والمزاج العربي وجعله قابلا لفكرة أننا نستطع أن نكون أهم دول العالم وأكثرها تطوراً، لكن هذا لم يحصل، ولن يحصل طالما يوجد من يدعو لشق الصف بكل شكل ممكن، والاكتفاء بدراما تطرح أفكارا بعيدة كل البعد عم همومنا ومشاكلنا , وهمها الوحيد تسطيح العقول وإشغالها بتوافه الأمور بعيدا عن جوهر القضايا العربية الهامة.  

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة