الإطراق

العدد: 
15091
التاريخ: 
الأحد, أيار 13, 2018

الإطراق هو النظر إلى الأرض مع تفكير عميق .. وتعني بالعامية ( الصافونة) ومع أن هذه الكلمة قريبة جداً لكلمة الصابونة .. إلا أن المعنيين مختلفان  حد الغرابة .. مع أن ( الصافونة ) تحتاج بالنهاية إلى صابونة ،هل تعلم أخي القارىء أننا أمة ( صافونية ) أي أمة إطراقية ؟! وبشكل عام لا يطرق الإنسان في الأرض إلا في الحالات التالية :
 الإطراق والتفكير بسبب حزن أو مصيبة ألمت بالإنسان .. كوفاة إنسان عزيز على قلبك.. أو مشكلة وقعت بها .. كهروب ابنك من المدرسة ، وتدهور المستوى التعليمي في المدارس ، وصعوبة  نجاح ابنك في الجامعة بسبب فساد بعض دكاترة المواد .. الذين لا يمكن أن يمنحوا الطالب النجاح في إحدى المواد الجامعية .. إلا بالرشوة أو المقايضة على أمور أخلاقية!! ويمكن أن يكون الإطراق والتفكير بسبب ضائقة مادية شديدة تمنعك من إجراء عملية جراحية  ضرورية لأحد أفراد أسرتك ..
وقد يكون الإطراق بسبب هموم الحياة .. وغلاء المعيشة ، وعدم قدرة الناس على تأمين ولو أسباب الحياة الأولية .. أو قد يكون الإطراق ناجماً عن غسالة  منزلك العاطلة عن العمل بسبب  تسريب  مياه ..لم يعرف حتى الآن سبب عطلها.. مع أن أكثر من خبير رآها وأصلحها ( على أساس !!)
المهم أن الأسباب التي تدعوك للإطراق كثيرة .. ومتعددة .. وغالباً ما يقوم الناس بهذه الحركة وهم في خلواتهم ، حتى لا يلاحظ الآخرون إطراقهم .. ووجوههم وحزنهم .. وبهذه الحركة المنعزلة يتلافى الإنسان المهموم سؤاله عما سيجعله حزيناً.. مطرقاً... مهموماً..وأما في أيامنا هذه فقد تغيرت أسباب الإطراق نهائياً .. يمكنك أن تسير في الشارع وتنظر إلى الناس فتجد البائع مطرقاً .. والماشي مطرقاً .. وكذلك السائقين  والمشترين .. وحتى طلاب المدارس الصغار .. وإذا مشيت في شوارع الجامعة .. لا ترى إلا الطلاب المطرقين ... وستصاب بالذهول عندما تقارن بين وضعية الإطراق الكلاسيكي القديم .. وهو الجلوس .. وبين وضعية الإطراق الحديث ، حيث يمكنك أن تطرق وأنت جالس أو واقف .. أو وأنت تسير .. حتى وأنت تركض !! وفي الإطراق الكلاسيكي لا يوجد بيدك شيء تتلهى به .. بل أكثر حركة يمكنك القيام بها هي إشباك أصابعك بين رجليك .. أو حضن رأسك بين كفيك ..
أما الآن .. فستجد بيد كل رجل وكل امرأة وكل صبية .. وكل شاب .. وحتى كل طفل ( جهاز موبايل ) وهم مطرقون بهذا الوباء الجديد .. باهتمام بالغ وجحوظ مذهل وتركيز كبير ، لدرجة تخالهم يشاركون في حل مشاكل الأمة العربية ، أو تظن أن أحدهم يخطط لبناء ما دمرته الحرب في بلادنا .. أو تظنهم يسعون لاختراع دواء للوقاية من إنفلونزا الحمير والبهائم .. وحتى عندما تلقي السلام على أحدهم ، فإنه لا يرد السلام .. وإذا أردت مراجعة إحدى الدوائر ، وأردت أن تسأل موظفاً سؤالاً عن معاملتك .. تضطر للانتظار ساعة حتى ينتهي الأخ من (الواتس أب) أو ( الفيس بوك ) أو طق الحنك والثرثرة الفارغة التي يقوم بها .. وسمعت منذ فترة أن إحدى طالبات الجامعة قد سرق جهازها الخلوي ، ويبلغ ثمنه نصف مليون ليرة سورية !! والسؤال المطروح .. ماذا تفعل هذه الطالبة بجهاز ثمنه ذاك المبلغ الهائل ؟!
ولو قمت بدراسة لهؤلاء الناس المطرقين في أجهزتهم الخلوية طوال 24 ساعة في اليوم .. فستجدهم لا يعملون شيئاً في الحياة !!بل لا يعملون شيئاً سوى الإطراق في هواتفهم الخلوية .. و
( التفقيس ) في أزرار أجهزتهم .. ومع أن كلمة التفقيس هي كلمة عربية تعني انكسار البيضة وخروج الصوص .. فالأمر هنا يصبح غريباً نوعاً ما فالتفقيس عند هؤلاء الناس الخلبيين الفارغين تحيل الكلمة السابقة من كلمة عربية ذات معنى عن تفقيس البيوض .. إلى كلمة عامية رديئة في التفقيس على هواتفهم .. كما أن تفقيس البيوض تعني الإنتاج ، أي لها نتائج إيجابية ، بينما تفقيس الناس في موضوعنا يعني الإنتاج أيضاً .. ولكن أي إنتاج ؟!
إنه إنتاج جيل مسخ ، وفكر ضحل ، ونشوء جيل فارغ من المعنى الحقيقي للحياة ، لا يهتم بالعلم ولا بالعمل... للأسف ربما الإطراق الحديث يجعلنا ننسى أسباب الإطراق القديم .. هل تعلمون من هو وراء الإطراق هذا ؟! ومن هم الناس الذين يبرمجون لحياة أبنائنا بهذه الطريقة القذرة ، والتي لا يشعرون معها أنهم يقادون إلى الهاوية !! ربما إذا ذكرت لكم السبب سوف تصابون بالذهول .. والإطراق !!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. نصر مشعل