الأديب الراحل دريد يحيى الخواجة وقصته القصيرة جدا “الديك الأعرج”

العدد: 
15121
التاريخ: 
الثلاثاء, حزيران 26, 2018

        لا يمكن أن نتناقش الآن ونحن نعيش مطلع القرن الحادي والعشرين بشأن أهمية القصة القصيرة بوصفها جنساً أدبيّاً مهماً نضج وأثمر في بقاع شتى من العالم وتبلور له كيان محدّد معروف ، ذلك أن الصحافة ووسائل الاعلام العملاقة ووسائل الاتصال الهائلة السريعة لهذا العصر عززت انتشاره وكرّست تقنيته المتداولة . وإذا قلنا إن القصة القصيرة جداً هي غصن متفرّع من دوحة القصة القصيرة ، وهذا الغصن سرعان ما نما وشكّل نبتاً يلتقي بالقصة القصيرة من جانب ويفترق عنها في جانب آخر ، فإننا لا نبتعد عن واقع الأمر ، ذلك أنّ طبيعة العصر السريعة ومتطلّباتها المتلاحقة أفرزت هذا النمط من القصّ ، وهو نمط ذو طابع شديد التكثيف ، هدفه أن يقوم بدور القصة القصيرة وأن يعطي ثمارها ولكنْ بزمن أقصر وحجم أصغر . إذن فالتركيز الشديد وأقصى الاقتصاد في الألفاظ والعبارات من أولى سمات هذا النمط من القصة . ولكي نثبت هذا فإننا لا نستغني عن النصّ الذي سيكون مجالنا التطبيقيّ في هذه السطور . وقد انتقينا قصة “ الديك الأعرج” للقاص الدكتور دريد يحيى الخواجة نموذجاً للقصة القصيرة جدا:ً
    «مضى الديك الأعرج في سبيله غير هيَّاب ، اقتحم القرى والمدن ، وهاجم الدجاجات في أقنانها ،  خمش أجساد بعضها ، على مزاجه فعل كلّ شيء ، دون أن يجرؤ أحد على التدخّل أو الاعتراض . له شخصية ديكية غامرة ، تتحدث عنها الركبان ، لا يخفي عجزه بالصياح المتكرر فقط وبانتصاب عرفه القاني ، بل بالقيام بفعل السّحار ، وبامتلاكه ريشاً متميزاً يمكن أن يحوله إلى سهام . خرج عليه من يقول: الحكمة أن تحبِّب الناس بك ، وأن تكون مثل غيرك بما له وبما عليه حتى لو لم يملك عُرفك  . شاغب في الأسواق ، وسرق بضاعتها ، وزرق فوق البيوت والنفوس ، واخترق حرمة المداجن ، وبدأ الجميع يغلقون عنه صدورهم وأبوابهم كلما برز لهم أو سمعوا بذكره ، وراحوا يسبّونه قائلين : الأعرج بن الأعرج ، لكن الديك الأعرج ظل يصيح في كل مكان صيحات الشر والنذر والثبور ثم غدوا يقولون : ديك أعرج ويفعل بنا هكذا ، فكيف بالله لو كان سليماً.».
          يتكرر عنوان القصة منذ استهلالتها مّما يعزّز جانب الطرافة في العنوان ويفيد منه إذ يثير فضول القارئ وحبّ استطلاعه ، وهي مهمة تقوم بها العبارة الأولى من هذه القصة حيث تفضي إلى الكشف عن طبيعة بطل القصة (الديك) الذي لم تمنعه عاهته (العرج) من الاقتحام والمجازفة . ومنذ الوهلة الأولى ندرك اعتماد القاص الخواجة على الجمل السريعة المتلاحقة وهذا مما يتطلبه هذا الجنس الأدبي ، إذ إنّ الجملة الطويلة لا تصلح له . فالقاص يسعى إلى أن يقول ما لديه بأقصر السبل وبمنطق الخط المستقيم الذي هو أقصر مسافة بين نقطتين . نلمس هذا التركيز في قصر الجمل « خمش أجساد بعضها» وهي تؤكد عدوانية الديك الأعرج وشراسته مما يخلق نفوراً من شخصيته ورغبة في معرفة مصيره ، وهو مما يتيح للقاص أن يستمر في سرد قصته وأن يضمن متابعة القارئ له . ومن الواضح ان القاص يلجأ إلى طابع آخر يتكئ عليه من أجل أن يمتع قارئه ويشده إلى القصة ، وهو طابع السخرية وتوخي الطرافة في رسم صورة بطله ذي «الشخصية الديكية الغامرة »  مما يذكرنا باعتداد الديك بنفسه وقدراته . وتأتي الجمل السردية اللاحقة فتؤكد جانبين ، أحدهما : أعماق الديك الشريرة وأنه مستمر في غيه دون أن يجد من يصدّه ، والآخر : الرمز الذي يقصده القاص من هذا الديك لا سيما انه يمزج بين سمات الديك ( العرف القاني المنتصب والريش المتميز الجارح ) والصفات البشرية ( فعل السحرة) ويتكشف الرمز بطريقة أوضح حين يوجه حوار خارجي (دايولوج) إليه « الحكمة أن تحبب الناس بك وأن تكون مثل غيرك بما له وبما عليه حتى لو لم يملك عرفك » ، ولكي لا يفصح القاص عن رمزه بُعيد منتصف القصة فانه يبقى محافظاً على التوازن بين سمات الديك وسمات البشر على حد سواء  ، وأداته في هذا جملته المركزة القصيرة ( شاغب في الأسواق ، وسرق بضاعتها ، وزرق فوق البيوت والنفوس ) . والجملة القصيرة المكثفة لا بد أن تشحن بطاقة إيحائية عالية ، وهي ما تستنتج من معنى التخريب الذي أحدثه الديك رغم عاهته وهزاله وكيانه التافه . وقبيل خاتمة القصة تظهر ردود الأفعال إزاء هذا الديك الشرير وأولها اللعنات (الأعرج بن الأعرج) وينتبه الناس إلى وضعهم البائس حين ينكبهم ديك أعرج ، إذن ما الذي يمكن أن يفعله بهم ديك سليم . ولعل الرمز في خاتمة القصة هذه بدا أكثر وضوحاً ، ولم يشأ القاص أن يفصح عن هدفه من هذا الرمز ، ولو فعل ذلك لجار على فنية القصة وربما قضى عليها.
        ولم يختم القاص هذه القصة القصيرة جداً بنهاية حاسمة وإنما ترك خاتمتها منفتحة وقابلة لتأويل القارئ واستنتاجاته ، وصورة بطلها الرامز تنطبق على كثير من الناس ولكنهم يسيئون تقدير حجومهم وقابلياتهم ، فضلاً عن الطباع البشرية للناس إذ قد يسكتون على كثير من الأذى حين لا يمسهم مباشرة ، وانهم قد يتجاوزون بعض الشر ويبتعدون عنه أملاً في أن يبتعد عنهم فاذا استفحل واستشرى فانّ المهمة تبدو أكثر صعوبة إذ تتطلب جهداً جماعياً لدفع مثل هذا الشر ، ولا تكفي حينها الجهود الفردية . وكل هذه الاحتمالات والأفكار يمكن أن يستنتجها القارئ وأن يتشعب  بها ، ومن حقه تماماً أن يفعل ذلك بيد أن القاص لم يشأ أن يوجه ذهن القارئ وجهة محددة معينة من أجل مزيد من الاستنتاجات . التي تعني فيما تعنيه خصب القصة وقدرتها على الايحاء ، فضلاً عن أن العرج قد لا يكون جسدياً إذ أن عرج التفكير يبدو أكثر خطورة من العرج المادي المحسوس . يضاف إلى هذا أن صوت الديك في هذه القصة قد غادر دلالاته المألوفة المرتبطة ببزوغ الفجر والوعد بيوم جديد .
      ومما يذكر ان القاص دريد يحيى الخواجة قلما يستثمر في هذه القصة الصورة الفنية في الجملة السردية ، ومع ذلك يمكن أن نتلمَّسها في اختراق الديك لحرمة المداجن (استعارة) ويغلقون عنه صدورهم وأبوابهم (كنايتان) وفي الصورة الفنية اختزال كبير لكثير من الوصف  ، وهي مما يمكن أن يمنح القصة طابعاً شعرياً يقر بها من قصيدة النثر ، مع أن الجنسين الأدبيين (وأعني بهما القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر ) يتشعبان في اتجاهين مختلفين ، بيد أن هذا التداخل في الانماط لا يضير الجنس الأدبي بل يعززه ويكرس تأثيره .
      وقد لا يتاح لكاتب القصة القصيرة جداً أن يورد حواراً خارجياً على لسان شخصيات القصة ، ولكنه إن استطاع ذلك من غير أن يجور على طبيعة القصة القصيرة جداً فانّ ذلك حسن ، إذ إنّ حديث الشخصيات يضفي طابعاً واقعياً على شخصيات القصة ويعطينا انطباعاً مؤكداً بأصالتها ، وهذا ما فعله القاصّ دريد الخواجة في قصته القصيرة جداً (الديك الأعرج) . وتنحو الخاتمة منحى النكتة الشعبية التي تلخص أوجاع الناس بابتسامة صفراء تتناسب مع طرافة الموقف وبؤسه أيضاً تعزيزاً لأسلوب السخرية المتجه صوب أقصى الطرافة من أجل تركيز المعنى وتوكيده في ذهن القارئ بحيث يصعب عليه نسيان ذلك الديك الشرير وتخريبه ووقاحته .
      إذن فتقنية القصة القصيرة جداً ترتكز إلى مرتكزات مهمة ، أولها الجمل القصيرة المركزة ذات الطابع الموحي المختصر في أسلوب سردها ، والقدرة على الايحاء والتعبير والاشعاع بأكثر من دلالة ، فضلاً عن الاقتصار على أقل عدد ممكن من الشخصيات ، وتركيز الحوار أو الاستغناء عنه إذا أمكن ذلك وشحن الجملة القصصية بالصورة الفنية التي تؤدي دور الوصف وتشي بالمعنى وتنمّ عنه يضاف إلى هذا كله اختزال الحدث القصصي وينطبق هذا الاختزال على الركيزة المكانية والسقف الزماني للقصة القصيرة جداً . ويعنى القاص عناية خاصة باستهلالة القصة القصيرة جداً بحيث تجتذب القارئ والاهتمام بخاتمتها التي تعطي انطباعاً مؤكداً عن نجاح القاص أو إخفاقه في قصته ، وهو ما يمكن أن يستنتجه القارئ خلال دقائق وهذه ميزة للقصة القصيرة جداً وهي مقتل سريع لها في الوقت نفسه ، حين تكون دون التقنية الفنية المطلوبة . وأحسب ان النماذج الجيدة من القصة القصيرة جداً ومنها قصة الديك الأعرج للقاص الراحل  دريد الخواجة هي التي ستقرر شكل هذا النمط الواعد من القصة بحيث تكون مصابيح يهتدى بها حين كتابة القصة القصيرة جداً.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.صبري مسلم