الحداثة ومابعدها

العدد: 
15188
التاريخ: 
الأحد, تشرين الأول 7, 2018

يكثر الحديث هذه الأيام عن دور الثقافة والمثقفين ..عن دور الأدب والأدباء ..عن المتأدبين المتثاقفين في التصدي لتيارات محملة بعناوين الحداثة وما بعد الحداثة التي تهدف لجعل مجتمعاتنا تعيش حالة انفصام تام عن موروثها الحضاري وعن حراكها النضالي لاستعادة حقوقها أو الاعتراف بها كحد أدنى ولاسيما في ظل التعامل الحالي للغرب معنا والذي يفيد بأنه ينظر إلينا على أننا بقرة حلوب رغم شعارات حقوق الإنسان .. فعالم اليوم وخاصة في وجهه الغربي يتداعى بانحيازه إلى المصالح ورفاهية الجلوس أمام مرايا استهتاره بكل القيم الإنسانية حتى تلوثت براءته المفقودة أصلا منذ بداية القرن الماضي .. علما أن كثرة الحديث عن دور المثقف هي نتيجة لسبب فقدان هذا الدور الرائد في التصدي لمدلهمات الخطوب التي تحيق بالأمة العربية وهنا تكمن أهمية وضرورة البحث الدؤوب للتعرف على المتغيرات الجديدة التي تؤثر على الهوية الثقافية العربية  ومدى تأثيراتها السلبية على هوية المجتمع العربي .. فوطننا العربي يعاني من تراكم المشاكل المعرفية والثقافية وخاصة في هذا العصر الذي تطغى عليه تيارات العولمة ما أنتج تبلدا في الحس الوطني والقومي عند البعض بالإضافة إلى وجود العديد من الأنظمة السياسية الضالعة في العمالة والتآمر على الإرث الحضاري للأمة ولاسيما في ظل شعارات الحداثة وما بعد الحداثة علما أنهما مصطلحان أو كلمتان تختصران ثقافة الإنسان المعاصر وتعليبها في قوالب جاهزة للبيع ..  هذان الشعاران  لم يتأتيا من العدم بالرغم من عدمية طرحهما واختصارهما للإنسان إلى كائن لا همّ له سوى المنفعة وإن تعددت الشعارات والتسميات والمفردات والتبريرات ونشير هنا أن الحداثة أسلوب حياة وحاجة إنسانية رافقت الإنسان منذ وجوده الأول .. بحثت عنه وبحث عنها وما التطورات الحاصلة عبر قرون التاريخ إلا همس من همسات الحداثة عند جميع الأمم فمسيرة هذا الكائن الباحث أبدا عن معنى الخلود لحياته عبر أعماله إذا بقي هناك من معنى أضحت في هوامش الأولويات فأغلب الناس ومنهم المثقفون والأدباء يسعون إلى المزيد من الرفاهية ولو كان ذلك على حساب القيم والحضارات الإنسانية بجميع قومياتها.. ونتيجة الاستهداف المتكرر من قبل الغرب لحضارتنا عبر شعارات لا تعني له شيئا أصبح شبابنا في عصرنا الحاضر عبيدا لما تقدمه له القنوات الفضائية ومواقع الانترنت والهواتف المحمولة من برامج ومحتويات كما أنه أصبح يقلد كل ما يشاهده عبر هذه الوسائط من سلوكيات وعادات وتقاليد سواء كانت مفيدة أم مضرة بالنسبة له وذلك تحت شعار الموضة والانفتاح على الآخر ومواكبة تطورات العصر وما نشاهده اليوم في واقعنا من اختلاط وانحلال للأخلاق وأيضا انتشار للجريمة والعنف والغش والرشوة خير دليل على مخاطر وسلبيات القنوات الفضائية وشبكة الانترنت والهواتف المحمولة وغيرها وكل ذلك يتم بناء على شعار الحداثة وما بعدها حتى جعل هذه الشعارات الشاب العربي يعيش في عالم لا يدرك ماذا يفعل فيه عالم خيالي بعيد عن مجتمعه وأسرته يفكر دوما في محاولة الوصول إلى هذا العالم المستباح فيه كل شيء الذي صورته وزرعته وسائط الإعلام والاتصال في مخيلته ما ولد لدى شبابنا القنوط واليأس من واقعه المعاش ومحاولة ركوب أمواج بحر بلا شواطىء .
   لا نستطيع أن ننكر أنَّ العالم قد أصبحَ اليوم قريةً كونيةً سريعة َالتغيّرِ والتّأثر ببعضها البعض فالوقوفُ على طبيعة التحديات التي تواجهُ جيل الشباب تمنحُنا معرفةً كافية عن واقعنا الحالي وكيف نتجه نحو المستقبل وما الذي  تفرضه علينا معطيات العولمة / الحداثة وما بعدها /  من عبء التوجهات نحو الشباب الذين هم حصونُ أمتنا المنيعة  إذا استطعنا أن نسلحَهُم بالوعي والمعرفة والثقافةِ الكافية لمواجهة هذه التحديات والولوج إلى شواطىء المستقبل بخطا ثابتة من أجل النهوض بالخصوصية الثقافية  العربية والارتقاء بها نحو مستوى ينسجم وطموحات المجتمع العربي وتطلعاته

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سهير العلي