التنمية المستدامة ...الهدف الضائع في حمص!! ...«العاصي» أقرب للجفاف و انتظار الأمطار سيد الموقف

العدد: 
15192
التاريخ: 
الخميس, تشرين الأول 11, 2018

بات الحديث عن نهر العاصي و جماله الطبيعي و ضفافه الخضراء و الخيرات التي كانت على جانبيه كمن يحكي قصة خيالية ,فمن يرى عاصي اليوم لن يصدق أنه ومنذ أقل من عشرين عاماً كان الاسم الثاني في سورية (بعد الفيجة في دمشق) بنقاوة مياهه و خضار ضفافه التي استقبلت آلاف الوفود السياحية و العائلات بعيداً عن صخب المدينة ..
اليوم وفي حمص  و بسبب غياب تحقيق  التنمية المستدامة  والتي تتطلب تطوير الأرض  والمدن و المجتمعات و الأعمال التجارية بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر  دون المساس  بقدرة الأجيال القادمة على  تلبية حاجاتها ,تحول العاصي إلى ما يشبه المستنقع بسبب عوامل  كثيرة اعتبرها المهندس طلال العلي مدير البيئة بحمص أمراً تراكمياً وقديماً , موضحاً أن العامل الأكبر بتضخم حجم التلوث هو تراجع الغزارة  فوجود مياه غزيرة  يخفف أثر الملوثات, مشيراً إلى أن الضرر  التراكمي مستمر منذ أكثر من عشرين عاماً على الأقل  بالمدى الذي تم  ضبطه,وأوضح أن التلوث الحقيقي بدأ منذ إنشاء معامل الأسمدة و المصفاة  والعديد من المعامل التي  لاتلتزم بمعالجة منصرفاتها السائلة قبل رميها في العاصي مؤكداً أن  للواقع المناخي الأثر الأكبر في وضوح المشكلة و تفاقمها..

وأضاف:  إذ كنا سابقاً  نعاني من أزمة  جفاف  بسيطة  تتبعها  مواسم ممطرة  تؤدي لغزارة كبيرة بالمياه  و بالتالي تمدد  للملوثات وجريانها ونقلها  و تخفيف الضغط  لسنتين  أو ثلاث لاحقة, لكن ومنذ عشر سنوات تقريباً تمر علينا موجات جفاف متكررة  تستمر لسنوات وهو العامل الطبيعي لظهور التلوث في العاصي ...
أما العامل البشري  فهو متشعب جداً يبدأ من وجود تعديات واضحة على القسم الموجود في الأراضي اللبنانية, موضحاً أن المجلس الأعلى السوري اللبناني  كان  يقمع  أي مخالفة  و لكن بسبب الحرب أصبحت التعديات علنية على منبع النهر حيث قام  البعض بفتح سواق من النهر أو حفر جائر للآبار ,و  اكتملت بتعديات واضحة وبحفر آبار  بالأراضي السورية ,  وحتى عام 2010 كانت الإجراءات صارمة بحق أي مخالفة و العمل كان منظماً لاستثمار الآبار النظامية بحيث لا تؤثر كثيراً على غزارة المياه., ولكن في عام 2011 أصبحت المخالفات كثيرة بسبب الظروف التي فرضتها الحرب .
وحالياً تجري  لقاءات على أعلى المستويات بين الجانبين السوري و اللبناني لمعالجة كل التعديات  لتدارك الخلل على الأقل  بالغزارة الموجودة...  
 وعن التلوث بمياه الصرف الصحي قال العلي: يوجد عدد كبير من القرى على جانبي العاصي على طول مسافة وجوده بحمص بدون محطات معالجة  ويتم رمي منصرفاتها  من  الصرف الصحي   في النهر بدون معالجة وكميتها كبيرة ولايستهان بها ...
و أضاف :تم لحظ إقامة محطات معالجة لبعض القرى و تم البدء بإنشائها لرفع  نسبة الأذى  و التلوث ولكن بسبب الحرب توقفت هذه المشاريع , وحالياً توجد إعادة دراسة  لبعضها و استكمال التي نفذ منها أجزاء فقط...
 أفضل من مياه النهر
وتحدث العلي عن عمل محطة الدوير وهي إحدى المحطات الموجودة على النهر و تعالج مياه الصرف الصحي من مدينة حمص بالكامل و المياه الصادرة عنها تعادل تقريباً الكمية المنصرفة من  القرى الواقعة على  الضفتين , والمياه فيها تعالج  معالجة   فنية  بيئية جيدة  و  صفات  المياه  المعالَجة  في بعض الأحيان  أفضل من مياه النهر بحد  ذاتها  لضعف غزارته...
و تقوم محطة المعالجة في الدوير بمعالجة مياه المجاري الناتجة عن مدينة حمص  بما فيها المنشآت الحرفية و الصناعية  و التجارية المتوضعة ضمن الإطار التنظيمي  للمدينة .
 وأشار المهندس سهيل ديب مدير الشركة العامة للصرف الصحي بحمص أن مبدأ المعالجة  يعتمد  على الحمأة المنشطة التقليدية حيث تتم بمعالجة كامل مياه المجاري الناتجة  عن مدينة حمص وهي حالياً  بحجم 62 ألف متر مكعب يومياً  ويتم صرف المياه المعالجة إلى  نهر العاصي  وهي تحقق الشروط التصميمية  للمحطة و يمكن  استخدامها في أعمال الري  اللاحقة بعد مزجها  مع مياه  نهر العاصي الذي يقوم  بتنقية  ذاتية على مسار النهر
 وأضاف  :تتم  معالجة 416 مترا مكعبا  من الحمأة يومياً بحيث تخفض رطوبتها  من 95% إلى 76%  لتصبح قابلة للترحيل  من موقع المحطة إلى المكب المخصص في  منطقة الفرقلس  حيث يرحل يومياً 30متراً مكعباً علماً أن الكميات المنتجة النهائية  بحدود 50 مترا مكعبا  يومياً وهي نسبة بسيطة لاتتجاوز 5% من حجم المياه الواردة للمحطة ..     
الخطر الأكبر
 تتميز حمص بوجود  صناعات  كيميائية ( معمل الأسمدة الفوسفاتية و الآزوتية و مصفاة حمص ) وهما المصدران الرئيسيان  لتلوث العاصي  وهنا يكمن الخطر الأكبر ..
وأشار العلي إلى أن معمل الأسمدة  بهيكلية إنشائه توجد فيه محطة لمعالجة  المنصرفات  السائلة  قبل  رميها  إلى البحيرة  , والمياه مراقبة  نوعاً ما  وغالباً توجد مخالفات في بعض المؤشرات  الأساسية سواء الآزوت أوالمعادن  الثقيلة  أو BOD  مؤشر التلوث العضوي  أو COD  مؤشر التلوث العضوي ....
موضحاً أن نتائج العينات تصل للبيئة  من مراصد الموارد المائية الموزعة على طول النهر من دخوله و حتى خروجه من حمص ويوجد تعاون بالرصد الدائم  والمراقبة المستمرة  و محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ...
وفي هذا السياق ذكر المهندس طراف مرعي المدير العام للشركة العامة للأسمدة  أن المنصرفات السائلة التي تطرح إلى بحيرة قطينة تتم معالجتها أولاً وفق الإمكانات المتاحة ,ونحن مستعدون للتعاون  مع الجميع للحد من الضرر البيئي على البحيرة و النهر ,وأشار إلى أن المنصرفات الناتجة عن الشركة ضمن الحدود المقبولة ولا نذيع سراً عندما نقول إن الشركة عامل ملوث, و توجد أحياناً بعض القيم التي تتعدى الأرقام المسموحة ونعمل دوماً على معالجة الخلل..
1800 متر مكعب شهرياً
المهندس محمد الحماد مدير شركة ألبان حمص قال : يبلغ الاستهلاك الشهري للمعمل  3000 متر مكعب من المياه العذبة  ,أما المنصرفات و التي يصل حجمها إلى 1800 متر مكعب يتم صرفها إلى محطة الدوير للمعالجة.
لمعامل شركة السكر خصوصيتها
تحدث نجدت فياض  رئيس الدائرة  الإنتاجية في  شركة سكر حمص أنه توجد عدة اجراءات  وتدابير لتأمين  احتياجات المعامل الأربعة من المياه , وأضاف بأن الحالة الفنية  لمأخذ  شركة سكر حمص على نهر العاصي جيدة  كما تم تجهيز  المأخذ  بوضع أكياس  رمل  لرفع منسوب المياه المستجرة بالإضافة إلى تعزيل  مجرى نهر العاصي  بالتنسيق  مع الموارد المائية  بحمص ..
وأشار فياض أن الحاجة اليومية  للمعامل  الأربعة  من المياه - في حال تم تشغيلها كلها (سكر  وزيت وصابون  و كحول وخميرة)  تتراوح بين 20  و21 ألف  متر مكعب  يومياً تطرح إلى الصرف الصحي ..أما الاستهلاك اليومي حالياً لايتجاوز 300  متر مكعب ..
 وذكر بأن  لمعمل الخميرة  خصوصية في العمل و المياه المستخدمة فيه من الآبار الارتوازية الموجودة في الشركة ,والمياه المستجرة من العاصي هي فقط لمحطة المعالجة , حيث يتم تحويل المياه المنصرفة إلى محطة معالجة عن طريق التهوية للتخفيف من التلوث قدر الإمكان  والوصول إلى الحدود المسموح بها لمعالجة مياه الصرف الصحي ثم تتم معالجتها في محطة التدوير ..


تراكم نفطي يعرقل العمل
وقال العلي : يضطر معمل السكر للتوقف عن الإنتاج  لعدم القدرة على  استعمال مياه النهر في عملية التبريد لوجود تراكم نفطي عند محطة الضخ , وإزالة التجمع  تمت بواسطة صهاريج  شفط ,واضطرت الموارد المائية لضخ المياه من البحيرة على مدى 2 أو 3 أيام   لدفع المواد النفطية  وأصبح الوضع جيداً على  مستوى المعمل و لكن  ليس على  مستوى النهر..
أما المنصرفات تعالج  ضمن  محطة الدوير نفسها حيث خصص المعمل بأحد الأحواض ,ولكن  الحل الأفضل بيئياً فصل  منصرفات السكر بمحطة معالجة  مستقلة.
جدوى اقتصادية أكبر
وأوضح العلي أنه من الضروري تكثيف الجهود  لنقل معمل الأسمدة إلى مواقع  الإنتاج في  المنطقة  الشرقية القريبة من منطقة المناجم  لعدة اعتبارات أهمها  قدم التقنية المستخدمة بالمعمل ,بالإضافة إلى أن إنشاء  معمل  جديد  أوفر من العمرات  و الإصلاحات  وهو حل مجد اقتصادياً و استراتيجياً خاصة مع توقف محطة معالجة المنصرفات بالأسمدة  وخروجها عن الخدمة , مشيراً إلى أن العمر الافتراضي للمعمل منته وتصميم آلاته قديم و لايتماشى مع حجم العمل المطلوب منها...
 لاتلوث جرثومي في الآبار
 وعن الآبار المرخصة أكد العلي عدم وجود تلوث جرثومي  وهي ضمن المؤشرات المقبولة ,موضحاً أن  الآبار الموجودة على ضفاف  العاصي متأثرة بالتلوث الموجود بالنهر  وهذه المشكلة قابلة للحل بعد إعادة الحياة للنهر بالتنقية  الذاتية...
الضرر الأكبر
 أما الأثر الصناعي الأكبر على العاصي فهو من مصفاة حمص و التي تملك محطة معالجة جيدة جداً فيما  لو  تم تشغيلها  بشكل دائم و مستمر كونها تخفف كثيراً  نسبة التلوث من المياه  الصناعية  و في حال كانت كميات  المنصرفات الناتجة عن المصفاة أكبر من عمل المحطة  يوجد حوض صدمة  بجوار المحطة تجمع به الكميات الزائدة لتعالج لاحقاً , لكن للأسف لاحظنا كمديرية من خلال عدة زيارات للمصفاة أنه لايتم تعزيل حوض الصدمة أو إلحاقه بالمحطة بشكل دائم, مؤكداً أن هذا الخلل يُرى بالنهر من خلال المخلفات النفطية الموجودة على  سطح مياه النهر , وسببها يكون إما لعدم تشغيل  المحطة أو  عدم تعزيل حوض الصدمة وفي الحالتين الواقع مخالف للقانون البيئي الذي يمنع رمي أي كمية  من المخلفات  الصناعية  قبل المعالجة ...مشيراً إلى أن أثر التلوث في النهر واضح بالعين المجردة دون الحاجة لتحاليل مخبرية خاصة وان بقايا المشتقات النفطية تتموضع على السطح مشكلة طبقات سميكة في بعض الأماكن منوهاً أن أثر التلوث أكبر لضعف الغزارة بشكل شديد.
 اعتماد على مخابر الموارد المائية
 نتيجة تعرض مخابر مديرية البيئة للتخريب و السرقة  خلال فترة الحرب يتم الاستعانة  حالياً بمخابر مديرية الموارد المائية , ومازالت مخابر البيئة  قيد التهيئة , مؤكداً أن  التحاليل دورية ودائمة و بأغلب الحالات  النتائج مخالفة للمواصفات..
زيارات متكررة والعمرة دوماً حجة
 و قال العلي : التلوث موجود من تاريخ إنشاء المصفاة  قد تكون قيمته أكبر من الآن كون  الإنتاج كان 100%  لكن غزارة المياه  تمدد  الملوثات , و اليوم التعامل مع مستنقع  و ليس نهر و تراكم المواد النفطية أدى لوجود مادة جاهزة للاشتعال بأي لحظة , ومؤخراً تم تشكل لجنة من كل الجهات المعنية مهمتها رصد تلوث المياه في العاصي و بيان مصادره و إجراءات معالجتها ..
وذكر بأن  مديرية البيئة  وجهت المصفاة أكثر من مرة لمعالجة المنصرفات الصناعية قبل  صرفها  للنهر, و أعطتها إنذاراً أخيراً تحت طائلة اتخاذ الاجراءات  وفق القانون  البيئي رقم 12 لعام 2012التي تصل  لمرحلة  غرامات مالية كبيرة جداً ,مشيراً إلى أن المسؤولية القانونية ليست على المنشأة و إنما على  القائمين بالعمل ,خاصة مع وجود  محطة معالجة جيدة بالمصفاة و قادرة على تلافي بعض التأثيرات..
  غير مؤهل
 وعن المسلخ البلدي قال العلي : يعمل حالياً بطاقة  ضعيفة بسبب عدم تأهيله من قبل مجلس المدينة و من المفترض  - بحال تأهيله -   تنفيذ محطة معالجة للمنصرفات السائلة و صرفه  مباشرة إلى العاصي ..
  مخابر للرصد والمراقبة
 وتابع : نحن الآن بصدد  تركيب مخابر بمديرية البيئة ومديرية الصحة  ضمن مشروع لفحص كافة الآبار في المحافظة التي تستخدم في الشرب مدينة و ريفاً و سيتم استكمال المخابر  خلال الفترة القريبة القادمة  ليثبت بالضبط وجود  تلوث جرثومي أو لا..
مؤكداً أن إعادة الحياة للعاصي ليست حلماً و رفع التلوث عنه ليس بالمستحيل إذا تضافرت كل الجهود من قبل الجهات المعنية , ومن الممكن حالياً وتماشياً مع الظروف الحالية إقامة  محطة معالجة مكانية صغيرة لكل قريتين أو ثلاث قادرة على المعالجة و تحقيق المواصفات الأفضل  لتلافي الكثير من المشكلات البيئية الناجمة عن التلوث بمياه الصرف الصحي.
أخيراً
 الحفاظ على البيئة مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف و لا يمكن لأحدها أن يعمل بمعزل عن الآخر, وعلى أمل قيام كل منها بدوره  يبقى الواقع البيئي في حمص رهيناً بتحقيق تنمية مستدامة حقيقية .
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
هنادي سلامة – محمد بلول