في تكريم الفنان عيسى فياض

العدد: 
12256
الكتابة عن صديق تشبه المشي على الصراط , لأنك إن بالغت بالمديح .. بل لو اقتطفت باقة من أزاهير المديح لتقدمها لمن يستحقها فسوف تجد من لا يريحه ما تقول لأسباب متعددة , ولكن .. كيف تكتب عن صديق فنان موهوب دون أن تحبه وتحترم فنه ?

لنقل بداية إن المحبة والصداقة ليستا تهمة بل هما الأرض التي تتفتح فيها أزاهير الصدق والصداقة , تحضر في هذا السياق كلمة للامام الصادق يقول فيها : ليس التعصب أن تحب خيار قومك بل التعصب أن ترى شرار قومك خيراً من خيار قوم آخرين .‏

إذن أنا أبدأ بلافتة تشي بالموضوعية رغم اقراري واقراركم أن الموضوعية في الكلام على الابداع هي موضوعية افتراضية المكرم الفنان المهندس عيسى فياض سيكون نافذة وموضوعاً في آن , هو نافذة أطل من خلالها على مشهد عام لفرق هذه المدينة الفنية ونواديها التي تميزت بميزتين أساسيتين :‏

الأولى أنها ظلت مرتبطة عن وعي , بالطرب الأصيل المعبر عن شخصية هذه الأمة في مقطع زمني هو بدايات القرن العشرين , والمعبر عنها في مساحة جغرافية هي مصر وامتدادها الفني في بلاد الشام .‏

الثانية أن هذه الفرق عملت بروح التعلق بالفن وليس بأي دافع آخر , فلم يكن هدفها التكسب , بل هي كانت باستمرار تدفع من جيبها , عدا عدد من السنوات استطاع فيها مكتب الاعداد في فرع حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة الرفيق خضر الناعم أن يحقق دعماً طيبا« لهذه الفرق في سياق دعم الحركة الثقافية بعامة , وهي فترة امتدت من عام 1986 حتى عام 1994 وفيها أقرت فعاليات الأسبوع المسرحي والاسبوع الموسيقي , وأضع تحت عنوان الأسبوع الموسيقي خطين لما سيكون له من شأن مهد لبروز ملحنين في مدينة حمص التي عرفت أصحاب أصوات طيبة وغاب عنها التلحين إلا من نتف ما تكاد تذكر .‏

هنا أستأذنكم أن أوجه تحية لخضر الناعم ليس بصفته أخاً بل لما أسسه في هذه المدينة من نشاطات ثقافية وفكرية موسيقية مسرحية وكان ذلك من خلال مناقشات ديمقراطية في مجلس الفعاليات الثقافية الذي ضم مبكراً بعثيين وغير بعثيين فتحية للأفق المنفتح النظيف ولليد الناصعة البياض .‏

لن أغلق النافذة التي هي الفنان المهندس عيسى فياض , فهو غير مغلق بل رحب كزرقة في السماء .‏

حين تُنشأ فرقة غنائية في مدينة فيها ثلاث فرق وأندية .. وتزيد .. فذلك معناه أن مؤسس هذه الفرقة وقائدها مدفوع بواحد من اثنين أو بكليهما : إحساسه بأن ثمة فراغاً يجب ملؤه , أو الحب العارم الشديد للموسيقا والغناء واسمحوا لي أن ألفت انتباهكم الى العلاقة الخفية بين الهندسة التي هي اختصاص عيسى فياض .. والموسيقا التي هي عشقه , وفي العشق ثمة ما هو أكبر من الاختصاص , ثمة ألق الروح , ولوبانها , وجنتها وحريقها في ان واحد . لك أن تتصور حجم المتاعب وحجم الصبر والصلابة لتنشىء فرقة من الشابات والشباب وليس لديك مقر..‏

وعليك أن تتصور كم يحتاج من الساعات تدريباً وضبطاً .. تقديم ساعة متقنة على خشبة المسرح .‏

بعد سنوات قليلة من تأسيس فرقة إحياء التراث دُعيت الى اليونان والى العديد من الفعاليات في معظم مدن القطر وكرم قائدها ومؤسسها في حلب وفي غيرها , هذا الحضور لا يأتي من فراغ بل هو ابن الحساسية الفنية والمثابرة ونظافة الأداء وجماله .‏

اسمحوا لي مرة أخرى أن أشير الى اسم الفرقة : » فرقة احياء التراث « ومن ينظر الى اسمها وسنة انشائها لا يرى كل هذه الضرورة لكلمة ( إحياء ) فالتراث كان حياً آنذاك , ولعل التسمية جاءت اعلاناً عن هوية هذه الفرقة من جهة ونبوءة لما آلت اليه أمور الغناء الهابط من جهة أخرى , ففرقة إحياء التراث مع غيرها من فرق ونوادي حمص يحفظون الجذور ويحمون جدران القلعة من عبث ( الهوبرة ) التي تذكرك بركض العجول في البراري وبالطرب الذي يدب أول ما يدب في الأقدام .‏

لقد قدمت فرقة احياء التراث قوالب الطرب العربي : الموشح - والقد ( عنيت بعض قدود الشيخ أمين الجندي ) والدور والطقطوقة وبعض الأغنيات التي مُنحت هوية سورية كأغنية : خدوا معاهم مها و: أم العباية وبحثت عن علامات التراث وقدمت أعمالاً مدروسة منتقاة بعناية للسيد درويش - وداود حسني - وزكريا أحمد - والقصبجي - والسنباطي والاختيار في حضوره الجميل يحتاج الى ذائقة رفيعة والى ثقافة موسيقية وعامة والأمران يتمتع بهما الفنان عيسى فياض وهذا ما شكل أساساً لشهرة الفرقة ولاستمرارها ,‏

هذا الذي ذكرناه قد يلتقي فيه مع فرق ونواد أخرى مع شيء من العلامات الفارقة هنا أو هناك أما الشيء الذي امتاز به الفنان عيسى فياض فهو الألحان التي قدمها أهم عملين لحنهما الفنان عيسى فياض حتى الآن هما :‏

مغناة ديك الجن - وجبران خليل جبران وأعود هنا لأشيد بالدور النوعي الذي لعبه يوم الألحان الجديدة في الأسابيع الموسيقية التي تألقت , فقد فتح لنا هذا اليوم أن تتعرف حمص على أكثر من اسم في التلحين , فإذن هي مدينة غير عاقر من هذه الجهة وفي التلحين , عيسى فياض وحده اختار مغناتين : ديك الجن , ربما لمأساته وعميق مصابه وجبران لما يحمله من بعد فلفسي حياتي تأملي , هذا الخيار هو خيار أدبي فكري يحتاج الى حساسية عالية في التلحين والى خيال فني ابداعي والى استبطان الحالات النفسية, و الى التدقيق في المفردة , والجملة ليأخذ المعنى المتضمن في الكلام معنى موسيقيا يعبر عن حساسية تلقي المبدع وعن قدرته على التأليف الموسيقي , فنحن أمام ابداعين , معنوي نصي , وموسيقي , وفي حقل واحد هو حقل التأليف الموسيقي ومن يدقق في الحان عيسى فياض يستمع الى جمل موسيقية هي ترجمة لأحاسيسه المرهفة المعبرة في تلقيه للنص , ولولا خوف الاطالة , والرهبة من دخول ميدان ليس من اختصاصي لتوقفت , انطباعياً , عند » رثاء الهاشمي « من مغناة ديك الجن , و » جمال الموت « من مغناة جبران الأولى بلحنها الجنائزي والثانية بروح التعامل الشفيفة مع الموت من خلال فلسفة جبران , ولتوقفت عند عناوين كثيرة يحتاج كل واحد منها الى تفصيله الخاص ,‏

عذراً لهذا الاقتحام ومبروك تكريم الفنان المهندس عيسى فياض , ونشد على يده في توجهه القادم الذي أعرف بعض نواياه فيه . سيبقى عيسى فياض مع آخرين علامة مميزة في تاريخ حمص الموسيقي .‏

شكراً للفنان المهندس عيسى فياض على ابداعه‏

شكراً لكل المبدعين لأنهم يخففون عن أرواحنا قيظ الهواجر .‏

* كرم مهرجان الثقافة الموسيقية الرابع عشر الذي تقيمه نقابة الفنانين في سورية‏

فرع حمص الفنان المهندس عيسى فياض , وفي هذا التكريم قدمت هذه الشهادة .‏

الفئة: