الومضة الاشهارية

العدد: 
14895
التاريخ: 
الأحد, تموز 16, 2017

يحقق التدفق المعرفي وجوده سيلاً جارفاً في مجرى الواقع المعيش جارفاً أمامه الكثير من الأفكار والقيم والعادات والتقاليد ،والكثير من القضايا التي توافق الوعي الإنساني عليها لردح من الزمان والكثير أيضاً لخصوصيات تحاكي ظروف وواقع أصحابها انطلاقاً من منطق التنوع الوجودي في جمالية التبابن الذي يتراءى كلاً متكاملاً في منظومة العقل المتحضر المنفتح الذي يرى ذاته في شمولية ذوات الآخرين ضمن فلسفة الوجود ،ومعنى زمالة المصير .
لكن هذا السيل الجارف لما يستطيع بعد أن يمحو إرادات الأصالة المتجذرة في ثنائية الوعي لدى الفرد والمجتمع لأن التربية الجمالية لثقافة الشعوب هي تراكم خبرات ومدى لا حدود له من فقاعات درج عليها الآباء والأجداد وهي محط سواء السبيل إلى حيث خطا الأبناء فمهما توعرت الدروب بتحديات متنوعة الأسماء براقة المسمى من قبل الديمقراطية ،الحرية ،العولمة ،وطبعاً ليس ببهاء المسمى نقاء ثقافة ،بل بالمسمى مرجعية رصيد لربح سياسي استعماري ،اقتصادي بعيد الأهداف .
ومن هذا واقع العولمة وما ينتج عنه من إفرازات تريد النيل من الفرد منظومة وعي ،ومن المجتمع كينونة ثقافة ،ومن الدول مسار وجود .
ولعل من تلك مسمى مجتمع الإعلام الذي من تعريفاته :مجتمع اقتصاد السوق والسوق المالية ...أي مجتمع العولمة الاقتصادية ..مجتمع الحتمية التكنولوجية /حاسوب ،قمر صناعي ،تلفاز .. تقانات أخرى ،مما زاد في معطى الفجوة الرقمية التي تذكرنا بالمتوالية الهندسية في مضاعفة الأشياء ،بل ويزيد بكثير .
ومن المباشر قوله :إن الصورة ،ومجتمع الصورة مدّ فاعليته  ضمن امتداد ذاك السيل من التدفق الآنف الذكر ،وقد تمثل ذلك ويتمثل بسرعة اختراق الصورة لكل الحدود ونفاذها إلى كل أرجاء العالم و خطر الانعكاسات المنشودة لمروجيها ضمن سياسة التنميط العالمي ومجاوز الثقافات الأصيلة ،مما يحمل تعريف الثقافة من قيم وعادات وتقاليد ومفهومات وتراث ....وتحقيق بعد ذلك ثقافة إشهارية ركيزتها في آلية التنفيذ لها والواقعية الاشهارية بغية الوصول إلى إنتاج ثقافة استهلاكية تستثير الحاجات وتغري الميول والاتجاهات المستنفزة ضمن حساسية المرحلة العمرية ولاسيما ضمن سن المراهقة ،أو الميلاد الثاني ،أو سن العشارين ... متخذة من سيكولوجيا الإعلان سبيلاً إلى بيع الرغائب والأحلام من خلال الربط بين السلعة والصحة والجمال وضجيج الحياة في جملة التواءات وانكسارات وتعثر واقع ومتسع من سوق حرمان مسور بحدود من كبت جراء معطيات عادات وتقاليد وربما إغراق في التقعر والانكماش مما يؤدي إلى تحقيق غاية الإعلان في مضمون رسالته عبر الاستغراق الإدراكي «وذلك من خلال تكرار الدعاية لأكثر من مرة وفق محاصرة المشاهد وصولاً إلى «صدارة الانطباع ».
يضاف إلى ذلك العمل في تمرير محتوى الرسالة الإعلانية المنشودة في قضاء خارج عن السياق العام ووفق مؤثرات جانبية للتقانة كبير الدور وللصورة فيتحقق التأثير المنشود وهذا يؤدي إلى اختراق هائل لثقافة الصورة على حساب ثقافة الكلمة فتتراجع القراءة ويتقلص التناص بين القارئ والمقروء فيغدو واقع تسطيح الوعي أيسر سبيلاً وقد تم تشكيل وعي مسلع يخدم الربح قيماً استهلاكية ويودي بواقع قيم حقيقية يساعد ذلك تعثر مرجعية السلطة الأبوية وهيمنة الثقافة والقيم المعلبة الجديدة وضعف تأثير حصانة الثقافة البناءة لأن قيم الاستهلاك تأخذ طفرتها في واقع نفوس هشة مشرئبة حول رغائبها بطمع المغانم لكنها واهية واهنة بإرادة الطموح على جسر من التعب لذلك تتسع مساحة الاستهلاك بنشوة الاستقواء العام من مكونات القيم الاستهلاكية والتقانة ليغدو غير المألوف لكأنه هو الاكتشاف النوعي والثابت المتجذر في كينونة بناء الفرد وتحديد مرتسم دوره الصحيح هو المتمول حتى يستبين الأمر أن انهيار الذات بالومضة الاشهارية أصابت واقعاً بالبهر أعيا ثوابت الحضور من تبصر مداها الحق في دنيا تمد يداً نسقيا جذور وتتال أصابع أخرى سعف نضارتها من جانب آخر .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نزار بدّور

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة